بين الحين والآخر تطفو على سطح المشهد اليمني دعوات مصالحة بين أطراف سياسية متعدّدة في حالة خصام سياسي واقتتال مسلّح، لكنّ هذه الدعوات سرعان ما تتلاشى ويختفي صداها وراء غبار المعارك المحتدمة في أكثر من جبهة، وأصوات قذائف المدفعية في أكثر نسق قتالي، على امتداد الجغرافيا اليمنية.

آخر دعوات المصالحة جاءت من دهاليز حزب «الإصلاح» (الإخوان المسلمين في اليمن)، ومن يمكن توصيفهم تحديداً «جناح قطر»، وهو الجناح الذي بدأ يبدي تبرّمه علناَ من عمليات «التحالف» العسكرية في اليمن، معتبراً أن قيادات حزب «الإصلاح» المؤيدة لهذه العمليات ترزح تحت الإقامة الجبرية في العاصمة السعودية الرياض.

 دعوة المصالحة هذه المرّة جاءت بلسان الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة «نوبل للسلام»، وعضو شورى حزب «الإصلاح» توكّل كرمان، والتي عبّرت عن تطلّعها لتحقيق «مصالحة وطنية تضم الإصلاح والحوثيين، وتشمل كافة مكونات الجماعة اليمنية على كلمة سواء، تحفظ لليمن سيادتها في ظل نظام جمهوري ديمقراطي يعيش الجميع فيه متساوون أحرار».

حكومة وحدة وطنية ومرحلة دستورية

توكل التي يعتقد أنّها تقود «جناح قطر داخل الإصلاح» عزّزت دعوتها للمصالحة بما يشبه خارطة طريق مختصرة لعبور المرحلة، شريطة صدق النوايا، قائلةً: «الحلّ سهل للغاية، دولة تحتكر السلاح تنزعه من الجميع، ويشارك الجميع في حكومة وطنية تعبر بالبلاد الى المرحلة الدستورية».

وتعتقد كرمان أنّه «آن للحرب اليمنية أن تطوي صفحاتها»، مضيفة أنه «بعد كل حرب يحلّ السلام، ليس هناك حرب إلى الأبد».

تناغم (إصلاحي - أنصاري) برعاية قطرية

وفي ما يبدو أنّها رسائل سياسية متبادلة للدفع بهذا الاتّجاه، جاءت دعوة رئيس «اللجنة الثورية»، محمد علي الحوثي، اليوم الأربعاء لأمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، إلى «التدخل لإنقاذ الوضع الاقتصادي المتدهور في البلاد»، لتعزّز من فرص نجاح دعوات التقارب (الاصلاحية - الأنصارية) بإشراف ورعاية تبدو قطرية خالصة.

ودعا الحوثي أمير قطر للوقوف إلى «جانب إخوانه اليمنيين حتى يتجاوزوا محنة مجاعة الحرب والحصار، التي أدّت إلى تدهور الأوضاع المعيشية لملايين اليمنيين»، مذكّراً أنّ «آل ثاني، وقفوا إلى جانب دول عديدة في أزماتها الاقتصادية»، ووعد بـ«رد الجميل في الوقت الذي يكون للشعب فيه القدرة على ذلك».

العابد: دعوة توكل رغبة قطرية

ويعتقد الناشط السياسي والإعلامي بحزب «المؤتمر»، عبد الرحمن العابد، أنّ دعوة توكّل كرمان للمصالحة إنّما تأتي تنفيذاً لأجندة خارجية، يرى العابد أنّها تستهدف اليمن «إنساناً وتاريخاً وحضارةً وقيماً ومبادئ»، وفي حديثه إلى «العربي» يرى أنّ «مواقف توكّل كرمان ثابتة، ومواقفها الحالية لا تنفصل عن بعض، فهي جزء مكمّل لبعضه، وهو الدور الذي تريده قطر في اليمن».

ويعتقد أنّ أي تحالفات سياسية بين تيارات وجماعات الإسلام السياسي التي يسود علاقتها الصراع، إنّما تعدّ «استهدافاً لمكون اليمن بشكل عام والمؤتمر الشعبي العام بشكل خاص»، وذلك لاعتبارات عديدة، يذكر العابد منها، أنّ العالم بات «ينظر لحزب المؤتمر الشعبي العام باعتباره المنقذ الحقيقي للوطن من الفتنة الموجودة فيه، والحرب الدائرة التي تستهدف اليمن والشعب اليمني ونسيجه الاجتماعي».

وفي ما إذا كانت دعوة جناح قطر داخل «الإصلاح»، للمصالحة ضرورة وطنية، أم تكتيك مرحلي، يرى العابد أنها مصالح الخارج في اليمن، قائلاً «مؤامرات الخارج هي التي تقود هذا التوجّه وهذا الاتّجاه»، وأضاف «مصلحة قطر مع الحوثيين ومصلحة قطر مع الإخوان المسلمين تجعلهم يصبّون في هذا الاتجاه».

الوريث: إعادة تموضع «الإصلاح» وتقوية جبهة الداخل

من جانبه، يرى الناشط السياسي والإعلامي، ابراهيم الوريث، أنّ «حزب الاصلاح بات يدرك أنّ التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات، يسعى الى تحجيم دورهم في اليمن، والقضاء عليهم بشكل ممنهج، خاصّةً على المستوى السياسي والعسكري، وذلك من خلال تقليص نشاطهم وتواجدهم على الأرض، وسحب البساط من تحت أيديهم، في تولّي المناصب القيادية العليا في المناطق التي تخضع لسيطرة حكومة هادي».

من هنا، يعتقد الوريث، في حديثه إلى «العربي» أنّ من مصلحة حزب «الإصلاح» في هذه المرحلة «المصالحة والتقارب مع أنصار الله حليفهم الاستراتيجي في 2011م»، وبما يمكّن «الإصلاح» من استعادة مكانته ودوره كمكون فاعل ومحوري في التسوية السياسية القادمة، مضيفاً «كما أنّ التقارب القطري الإيراني يدعم هذا المسار لتقوية الجبهة الداخلية ضد التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات».

أداة ضغط على «التحالف»

تتعزّز فرص التقارب بين «جناح قطر في الإصلاح» و«أنصار الله»، كضرورة فرضتها المتغيرات السياسية، يرى الوريث أنها «ليس بدافع وطني وإنما بدافع تكتيكي تقتضيه المرحلة القادمة للعودة إلى الطاولة كمكوّن فاعل في الحياة السياسية».

ويعتقد أنّ فرص التقارب «الاصلاحي- الانصاري» ربّما تكون أداة ضغط إصلاحية على «التحالف»، وهي رسالة ضمنية مفادها «إذا لم تقبلوا بنا وتتعاملوا معنا كطرف أساسي وفاعل، فإنّ الخيارات الأخرى مفتوحة أمامنا ويمكننا الوقوف مع الطرف الأخر».

ترحيب لافت من «أنصار الله»

وخلافاً لدعوات مصالحة سابقة، لقيت دعوة كرمان ترحيباً لافتاً من الطّرف الأخر، استهلّه عضو المكتب السياسي لـ«أنصار الله»، سليم المغلّس، الذي رأى في الدعوة «أرضية منطقية وخصبة وأساس مقبول لدى كلّ العقلاء والوطنيين لبناء الحلّ السياسي الجاد المطمئن للجميع».

وفي تطابق شبه تام مع دعوة «الإصلاح»، يرى المغلّس أن الحل السياسي المفترض يجب أن يقوم على «مصالحة وطنية ودولة مستقلة ذات سيادة تحتكر السلاح بيدها من دون غيرها، ونظام جمهوري ديمقراطي وحكومة وحدة وطنية يشارك فيها الجميع تدير البلد وتسير به إلى المرحلة الدستورية».

وفي ما يعد تبادلاً علنياً لرسائل سياسية، دعا المغلّس، قيادة «الإصلاح»، باعتبارها صاحبة القرار في الحزب، لأن «تسلك مسلك عقلائها وتسمع لهم أفضل من تمترسها خلف أجندة خارجية تستهدف الوطن والشعب بكل مكوناته، بما في ذلك حزب الاصلاح نفسه»، ولإبقاء باب المصالحة مفتوحاً، أضاف: «ينبغي أيضاً على كافة القوى التي تملك قرارها التعاطي الايجابي مع هكذا دعوة او مبادرة من اي طرف كان».

رسائل علنية متبادلة

وأبعد من ترحيب المغلّس، يعتقد القيادي في «أنصار الله»، محمد البخيتي، أنّ دعوة «الإصلاح» للتصالح وطي صفحة الماضي وتوحّد الشعب اليمني لمواجهة التحديات الخارجية، «ستمثل نقطة تحول في الصراع الحالي، لما لها من ثقل سياسي واعلامي على المستوى الداخلي والخارجي، خصوصاً إذا ما حوّلت دعوتها لبرنامج عمل يهتم بالتوعية ويستوعب كل دعاة السلام».

وفي تطوّر لافت ومكاشفة علنية، أبدى عضو المكتب السياسي لـ«أنصار الله»، محمد البخيتي جاهزية الحركة لتبديد مخاوف حزب «الإصلاح»، وبناء الثقة وتقديم كلّ الضمانات الممكنة والعادلة؛ وفي رسالة مطوّلة خاطب البخيتي حزب «الإصلاح» قائلاً: «لا تتنصلوا من المسؤولية بحجّة أنّ قيادتكم محتجزةً في السعودية وقرارها مُصَادَر، لأنّ حلّ ذلك الإشكال التنظيمي بسيط، وانتم مكوّن تنظيمي وحزبي عريق وتعرفونه جيداً»، ولإثبات حسن النوايا، أعلن البخيتي إمكانية اطلاق جميع أسرى «الإصلاح» لدى «أنصار الله»، قائلاً: «لا تطلبوا منا إطلاق أسرى أو معتقلين بدعوى إثبات حسن النية، لأن لديكم أسرى ومعتقلين محسوبين علينا كما ان لكم لدينا، ونحن مستعدون لإطلاق الجميع مقابل الجميع».

التعليقات