تستميت القوى السياسية التقليدية المؤلفة لسلطة الوصاية البائدة، في التأصيل لوجودها بوصفه امتداداً لـ«ثورة وجمهورية 26 سبتمبر 1962م»، وترتيباً عليه تظهير ثورة الـ21 من سبتمبر 2014، بوصفها «انقلاباً إمامياً هاشمياً» على النظام الجمهوري، وهكذا فإن تحالف عدوان أربابها من أنظمة رجعية واستعمارية على اليمن يغدو ـ في هذا الاعتساف الفج ـ دفاعاً عن «الجمهورية ونظامها الشرعي».
اعتساف بهذه الفجاجة يعوزه ليتسق مع الحدود الدنيا من المنطق، أن نعيد النظر في مجموع محطات الصراع المفصلية التي شهدها اليمن الجمهوري عقب 26 سبتمبر 1962م، فنفرز هذا التاريخ بدءاً كمحطة انطلاق، في خانة «انقلاب جمهوري على نظام ملكي شرعي استدعى تدخلاً سعودياً مشروعاً حينها» على غرار التدخل السعودي اليوم والذي يستهدف الانتصار لـ«شرعية جمهورية أطاح بها انقلاب ملكي» بحسب المنطق الاعتسافي ذاته.
استخلاص لا يستقيم ـ بطبيعة الحال ـ إلا على اعتبار أن جمهوريي اليوم الذين تنتصر لهم المملكة هم نسل سفاح لا تربطهم وشائج نسب شرعي بجمهوريي 1962م الذين قادت المملكة تحالفاً عسكرياً لتصفيتهم وتقويض جمهوريتهم الوليدة!
إن محطة «5 نوفمبر 1967م» التي أطاح خلالها القاضي عبدالرحمن الإرياني، بعبدالله السلال، هي الأخرى لا مناص من فرزها كـ«انقلاب على النظام الجمهوري الوليد» لا سيما وأن السلال كان «رمزاً للمواجهة الجمهورية مع التحالف الملكي السعودي الرجعي» طيلة خمسة أعوام من الحرب، ولم يتسن للإرياني الانقلاب عليه إلا عقب «الانسحاب المصري العسكري من ساحة دعم الجمهورية السبتمبرية باتفاق بين القاهرة والرياض على هامش مؤتمر الخرطوم..».
وإذا كان الأمر كذلك بالفعل ـ وهو كذلك ـ فإن الاستخلاص المتحصل هو أن «جمهورية السلال كانت جمهورية مصرية وسرعان ما تحولت بالانسحاب المصري إلى جمهورية سعودية على هامش اتفاق حول اليمن حضرت فيه القاهرة والرياض ولم تحضر فيه صنعاء».
ولكي تغدو هذه «الجمهورية النوفمبرية» خالصة للمملكة السعودية كان «عدوان وحصار السبعين يوماً، وأحداث أغسطس 1968م»، فحيث فشل العدوان الخارجي بتسهيلات داخلية من النوفمبريين في كسر شوكة الممانعة العسكرية إزاء تجيير اليمن للولاء السعودي والتبعية للرياض، بفعل الالتفاف الشعبي اليمني الصرف، تولت السلطات النوفمبرية تصفية وحدات ورموز ونخبة الممانعة الوطنية تباعاً «عسكريين ومثقفين وشخصيات شعبية» وصولاً إلى «اتفاق إذعان جمهوري خالص للسعودية في 1971م» أطلق عليه «اتفاق المصالحة اليمنية ـ اليمنية».
إن تظهير ثورة 21 أيلول 2014 كانقلاب على النظام الجمهوري يسوِّغ به العملاء العدوان الراهن على اليمن يقتضي كذلك تظهير حركة يونيو التصحيحية التي قادها المقدم إبراهيم الحمدي في 1974 كانقلاب على النظام الجمهوري يسوِّغ اغتيال الرئيس الحمدي على أيدي السعودية، لكن الأمر لم يكن كذلك بالأمس ولا اليوم، بل كان ـ في كلا يونيو التصحيح السبعيني وو21 أيلول الثورة الراهنة ـ نزوعاً يمانياً وطنياً صرفاً لاستنقاذ القرار اليمني وتثبيت السيادة عليه، من مخالب غول التبعية والعمالة لمملكة بني سعود بمنأى عن حرب اليافطات الجمهورية والملكية التي تموه بها قوى الوصاية على حالة الاستلاب كهدف جوهري لها. 
لقد أمكن لتحالف قوى الهيمنة الخارجية اغتيال الشهيد الرئيس إبراهيم الحمدي، على أيدي أدوات العمالة الجمهورية من الداخل ليستتب لها السيطرة على اليمن قراراً ومساراً سياسياً لأكثر من أربعة عقود لاحقة ولم تكن بحاجة إلى تغيير حروف اليافطة الجمهورية وعلمها بحروف وعلم ملكيين.
على أنها ـ قوى الهيمنة الخارجية ـ لم تكن قادرة على تقويض حالة الممانعة الشعبية اليمنية التي تمخضت من رحم تضحياتها المديدة وأشواقها ثورة الـ21 من سبتمبر 2014، لتواجه اليمن شعباً وتراباً تحالف عدوان كونياً أنكى وأشرس من سابق محطاتها الوطنية النزاعة للاستقلال، يستميت لإعادة قرارها إلى حظيرة الاستلاب بالآلة الحربية والمموهة بفبركة واعتساف فاضح لوقائع الصراع قديمه وحديثه وراهنه.
على مذبح الأشواق ذاتها قضى الرئيس صالح الصماد شهيداً بفارق بروز أدوات الغيلة علناً هذه المرة كوجوه هيمنة استعمارية خارجية مباشرة لا كأقنعة محلية جمهورية وملكية وكيلة لها، كما في حال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي.
إن المحك الذي يفرز القوى السياسية اليوم إلى «شرعية وغير شرعية» ليس جمهورية 26 سبتمبر 1962م كدعوى هزلية بل عدوان 26 مارس 2015 الكوني على بلدنا وشعبنا، وفي أتون هذا المحك الجلي تبتلى مواقف ومعادن أبناء الأرض ذوداً عنها وعن عرضها وولاءً لها، أو تبعية لعدوها وعملاً بمعيته وتسويغاً لعدوانه وبيعاً بخساً للأرض والعرض في مزاده ومواخيره.
المجد والحرية والاستقلال والشرعية ـ إذن ـ لمن رفعوا قهرهم ودمهم وأشلاءهم باسم الشعب منصات باليستية وراجمات صواريخ في وجه تحالف قوى الهيمنة، والخزي والهزيمة والوبال لمن رفعوا سيقانهم على فراش ملوك البترودولار باسم الجمهورية.

التعليقات