التاريخ مرآة العصر ترى عين الإنسان المجردة فيه تفاصيل الماضي وعظمة مكانته بين الشعوب، والتراث حديث الماضي للحاضر يروي حكايات الأمم ويحفظ تاريخ الشعوب لا يقبل تزوير الساسة ولا عبث الانتهازيين، فمنذُ أزمان غابرة لعبت الغارات بين القبائل الحضرمية دوراً في تفكير الرجل الحضرمي للبحث عن طريقة يحمي بها موطن سكنه فعمد إلى بناء القلاع فوق الجبال وتشييد المدن على الروابي والهضاب، وها هي مدينة شبام حضرموت شاهدة على حقب تاريخية طويلة تمتد لأكثر من 700 عام وهي شامخة قوية تصارع من أجل البقاء قاهرة الظروف، لا زالت تعيد تاريخها وتُجدده بين وقت وآخر بكامل وقارها المتوج أعالي مبانيها أشبه ما يكون بقطع الثلج.
«أم اليتامى»، كما يحب أبناء وادي حضرموت تسميتها، غدت يتيمة بعد أن تخلّى عنها أبناؤها وانشغلوا بالخلافات السياسية والمناطقية والطائفية تتقاذفها أمواج الكوارث الطبيعية من جانب وكوارث الإهمال البشرية من جانب، فهي بهذا الزمن وحيدة بعد أن كانت مدينة الجميع كما يقول عنها الهمداني.
انهيار وشيك ومناشدة للإنقاذ 
في مدينة شبام، حسب آخر حصر في العام 2015 م، هناك 280 مبنى من أصل 500 مبنى بحاجة ملحّة وضرورية للصيانة وبطبيعة الحال اليوم وبعد ما يقارب 4 أعوام نستطيع القول إن شبام حضرموت على وشك الانهيار الكامل.
بهذه المعلومات الصادمة لكل مهتم بالتراث العالمي بدأ حسن عيديد مدير عام الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية بمدينة شبام التاريخية حديثة لـ«العربي» مضيفا «الخطر الأكبر الذي يهدد المدينة هو توقف الصيانة الدورية للمباني وخاصة أنها بنيت من مادة التبن (الطين) الذي يتأثر كثيراً بفعل مياه الأمطار والسيول، وغياب الصيانة الدورية للمباني لفترة طويلة يؤثر بطبيعة الحال على هيكل المبنى مما يجعله مهدداً بخطر الانهيار، ونحن من هنا نطلق نداء عاجلا لكافة المنظمات المهتمة بالتراث سوى محلية أو دولية وكذا مؤسسات الدولة لسرعة إنقاذ المدينة من خطر انهيارها الوشيك باعتبارها نموذجا فريدا للمدن الطينية في منطقتنا العربية».
منهاتن الصحراء تواجه الكوارث الطبيعية 
كوارث طبيعية مرّت على المدينة أدرجت بسببها على قائمة مواقع التراث العالمي المعرض للخطر حسب تصنيف منظمة اليونسكو، في الثاني من يوليو بالعام 2015 م حيث تعرضت وسورها الخارجي إلى الكثير من الأخطار بسبب السيول والأمطار التي ازدادت -بفعل التغييرات المناخية- على مناطق الوادي ومنها الأعاصير والمنخفضات الجوية، وخاصة أن المدينة تُشرف على مجرى من أكبر مجاري السيول بوادي حضرموت وما يزيد المشكلة تعقيداً أن بيوت مدينة شبام قد بنيت بالطين الذي يتأثر كثيراً بفعل الأمطار.
وفي هذا يقول المسئول في مكتب السياحة بوادي حضرموت محمد العامري في حديثه لـ«العربي» «واجهت المدينة ومنذ العام 2008م العديد من المخاطر تمثلت بكارثة السيول بمحافظة حضرموت، مروراً بالمنخفضات الجوية وليس انتهاءً بإعصار تشابالا وتأثيراته على جميع مناطق المحافظة كل هذا أثر بشكل سلبي على مباني المدينة في ضل عدم وجود دعم حكومي وتفعيل لقوانين حماية المدن الأثرية نتيجة ظروف الحرب والنزاعات التي تعصف بالبلاد منذ العام 2011م إلى يومنا هذا».
تنظيم «الدولة» يضرب المدينة 
في ظل الصراعات المسلحة التي تتخذ جميع مناطق اليمن ساحة لها تعرضت مدينة شبام التاريخية لأكثر من هجوم مسلح وخاصة بعد الانتشار الكبير لمسلحي التنظيمات «الإرهابية» في المناطق والأودية المحيطة بالمدينة قبل أن تقوم القوات المسلحة بتطهير تلك المناطق منهم.
وقد تعرضت النقطة العسكرية الأقرب للمدينة التي تبعد عن أسوار المدينة حوالي كيلو متر غربا تعرضت لأكثر من تفجير بسيارات مفخخة أعنفها الانفجار الذي تبنته «داعش» ووقع على بعد أمتار من سور المدينة وأدى إلى تهدّم أكثر من 40 منزلاً من المدينة التاريخية 10 منازل منها أصبحت غير صالحة للسكن حسب مواطنين، تفجيرات أفقدت المدينة ما تبقى من بريقها حسب المواطن أشرف الدقيل، الذي قال في حديثه لـ«العربي» إنه «لم تكن مدينة شبام التاريخية تخلو يوماً من السياح القادمين من شتّى أنحاء العالم لرؤية هذه التحفة الفنية، الأمر الذي أنعش السياحة ومعها الحركة التجارية بوادي حضرموت بشكل عام، فيما بدأت هذه الحركة تضعُف بعد ظهور آفة الإرهاب وتنظيماته التي بدأت بهجماتها على السياح في العام 2006م -حسب ما أذكر-، لتتوقف حركة السياحة نهائياً في الأعوام الأخيرة نتيجة الأزمات التي يتفنن بخلقها السياسيون لهذه البلاد، الكثير فقدوا مصدر دخلهم في شبام بدرجة أولى وفي المناطق المجاورة لها، أتمنى أن تنتهي هذه الحرب بسرعة لتعود المياه إلى مجاريها».

التعليقات