في زمن غابر كانت الكويت تلقب بـ«بيروت الخليج» لوفرة النتاجات الثقافية والفكرية والفنية التي نضحت لعقود لتغمر محيطها العربي وصولاً إلى المغرب، من هذا النتوء الجغرافي الجميل الناشب كوردة في خاصرة الماء.
واليوم فإن الكويت الراهنة لا تزال تشبه بيروت لكن في زمنها اللبناني الغابر ولجهة انفساخها بلا ممانعة للقرصنة السعودية الفاضحة على قرارها السياسي وعلاقاتها بمحيطها الخليجي والعربي حد ضمور ويباس دوحتها الثقافية وتحوُّلها إلى نبتة «أراك» في فناء الرياض يجلو سلمان بمساويكها فضلات اللحم البشري عن أسنانه عقب كل وليمة قذرة.
مواقف مندوب الكويت في الأمم المتحدة التي تقدم دول العدوان كضحايا لـ«صواريخ حوثية إرهابية»، ليست مواقف تثمن الكويت كدولة وسيط وحاضن لأطول جولة مشاورات يمنية.
مطلع القرن الفائت كان السُّلم الموسيقي وأوتار المزاهر و«النوتات» وريد صلة حميمة تضخ دفئها وعطرها جرياناً في دورة أخوية بقلبين هما الكويت وعدن.
ففي العام 1929م، أنشأت الكويت فرقة موسيقية في عدن بالتعاون مع أسرة آل غانم اليمنية ـ المتحدرة من حجرية تعز، والتي استزرعت فسائل من ألوان الغناء اليمني في تربة كويتية خصيبة لتبرعم وتبسق زاهية مديدة كرافعة رئيسة من روافع دولة الكويت الحديثة.
وفي الخمسينيات، عندما كانت هذه الدولة بصدد إطلاق مشروعها الثقافي المتمثل في مجلة «العربي»، أبرقت إلى الأديب اليمني الأستاذ أحمد محمد النعمان، تطلب إليه أن يرشح مديراً وسكرتيراً لهيئة تحرير المجلة التي أصبحت فيما بعد، أحد أبرز وسوم الحضور الثقافي الكويتي المائز في المشهد العربي لقرابة نصف قرن.
كل هذا الفيض الآسر والغامر أخذ في الانحسار تدريجياً وبوتيرة حثيثة عقب الاجتياح «الصدَّامي»، الذي تخلصت منه الكويت لتقع فريسة لاجتياح «وهابي سعودي» أنكى من سابقه وأكثر عتواً وصلافة وخواءً، ولا يزال يجهض فضاءاتها من أجمل المضامين ويشغلها بقيحه وصديده، وهي مستسلمة مذعنة كـ«خرزة دائرة في سبحة بني سعود» تستمطر غفران «آل الشيخ» عن أطهر معاصيها السالفة وأهدى ضلالاتها وبدعها ومحدثاتها.
ماذا يعني أن تسحب الكويت الحصانة والجنسية من أحد أشرف مواطنيها عبدالحميد دشتي، ملقاً واسترضاءً للغضب السعودي غير المبرر ولا المشروع من النائب المذكور.
كان بوسع الكويت أن تكون «نصف عُمان» أمام الصلف السعودي لكنها أصبحت (كل السعودية)، وعجزت أن تكون حتى «نصف كويت» في مقارباتها ومواقفها للعدوان على اليمن، اعتقاداً منها أن تلاشيها التام هو الوسيلة المثلى لحماية وجودها المستهدف سعودياً. إن ذلك أشبه بأن تُسلِّم اللصوص نسخة من مفاتيح منزلك، حرصاً على سلامة الأبواب وأقفال الخزائن.
إنها مرثية على ضريح دولة كنا نحبها ونشاطرها آلامها، لا غضباً عليها ولا حقداً أكتب، فـ«الضرب في الكويت حرام»، دون أن يخلّ هذا التحوير بمضمون المثل الشعبي الشهير.

التعليقات