من المؤكد أن التطورات الأخيرة في الأسواق المالية اليمنية قد أطلقت صافرة الإنذار، الأمر الذي يدفع للتساؤل عما إذا كانت البلاد تتجه نحو أزمة اقتصادية لا مثيل لها في تاريخ اليمن!
تلقى الريال اليمني ضربة قوية في الأسواق، وسجل مستوى قياسيا جديدا في الانخفاض، في ظل عدم اتخاذ البنك المركزي اليمني، لأية قرارات لوقف هذا الانهيار. 
وقد تراجع الريال اليمني تراجعاً حاداً مقابل الدولار، وسط قلق متنامٍ بشأن قبضة البنك المركزي اليمني على السياسة النقدية.
تبادل الاتهامات
أطراف الصراع في اليمن لم تهدأ، إذ يحاول كل طرف اتهام الآخر بوقوفه خلف انهيار الريال اليمني، وسحب العملة الصعبة من الأسواق.
رئيس حكومة «الإنقاذ» التابعة لحركة «أنصار الله» في صنعاء، عبد العزيز بن حبتور، اتهم دول «التحالف» بالسعي إلى ارتكاب جريمة إبادة بحق الشعب اليمني، مشيراً إلى أن «التحالف فشل في مختلف الجبهات، ولم يتبق له سوى الحرب الاقتصادية، التي تشن على الشعب اليمني اليوم في كل جزئية من حياته، في محاولات بائسة لتركعيه والنيل من كرامته».
وشدد على أن «طباعة العملة لا تحل الإشكال بل تزيد الطين بلة، أو كمن يضع الماء في قربة مخرومة»، مشيراً إلى أن «الهدف من طباعة العملة يتمثل بتمويل القوات الموالية للتحالف في الجبهات لتنفيذ الأجندة المباشرة للتحالف بقيادة السعودية والإمارات، الدولتان اللتان تدفعان باتجاه طباعة العملة لتكبيل الاقتصاد وزيادة الأعباء على الشعب اليمني». 
من جانبه، حمل «التحالف» الذي تقوده السعودية، حركة «أنصار الله» مسؤولية انهيار الريال اليمني، بسبب «انقلابهم» على الدولة، متهماً قيادات الحركة بالتسابق على شراء العملات الأجنبية، وتحقيق أرباح خيالية في سوق المشتقات النفطية.
واشار إلى أن عدداً من تجار النفط التابعين للحركة، يستوردون شحنات المشتقات النفطية بعيداً عن التعاملات المصرفية السليمة وفتح الاعتمادات عبر البنوك، لافتاً إلى أنهم يمارسون «تدميراً ممنهجاً يستنزف العملة الصعبة ويسرع انهيار العملة المحلية بشكل كبير».
كما اتهم حركة «أنصار الله» بضخ المليارات في السوق لشراء العملة الأجنبية، وتعزيز أرباحها في سوق المشتقات النفطية والغاز المنزلي الذي يسجل أرباحا خيالية.
سياسة تراكمية وأخطاء
من جهته، قال الكاتب السياسي صالح الدويل إن «انهيار الريال ليس عمارة تسقط في لحظة واحدة، والانهيار مرجعه سياسة تراكمية وأخطاء مؤسسية خلال الحرب»، موضحاً أن «المسؤول الأول والأخير عنه الشرعية، التي جعلت المحسوبية والولاء عصب ادارتها لكل شؤون البلاد، وإيرادات الدولة ومواردها اصبحت ملكية خاصة لرؤوس فسادها، ابتداء من الدائرة الملاصقة للرئيس».
وأشار أن «الشرعية، أنشات قطاعاً وظيفياً أمنياً وعسكريأ وهمياً، قرابة نصف مليون عسكري فقط يعتلفون ولم يحققوا نصرا ولا أمنا، وكذا وزارة رفاهية في بلد فقير واستحداث وظائف دبلوماسية وإدارية وسياسية، في بلد في حالة حرب لا يحتاج من الوزارات والسفارات إلا ما يدير بها الحرب وشؤون الناس، وسوق مفتوح بلا ضوابط يبتلع أرخص ما في العالم بأغلى ما لدى المواطن، وطباعة أوراق نقدية من دون ما يقابلها من مدخرات من العملات الأجنبية».
لا توجد مؤامرة
وأستبعد الكاتب السياسي صالح الدويل وجود مؤامرة، مرجعاً ذلك إلى «سوء إدارة ومحسوبية وهوامير اصبحوا هم الدولة، فعندما تجعل اللص مسؤول عن الدار لن يترك فيها شيء، والشرعية سلمت الأمور المالية لأحمد العيسي وأمثاله، فعاثوا فسادا وإفساداً، حتى أوصلوا البلاد إلى هذا المآل، من دون تنشيط حتى للحد الأدنى من الرقابة أو تفعيل للقضاء».  
وتابع أن «الاستيراد وعدم جباية الايرادات هما السبب الرئيس، أصبحت العملة سلعة مثل البصل تباع حسب العرض والطلب، عدا أن اللصوص إياهم عندما رأوا الانهيار المريع للريال حولوا أية مدخرات لهم بالعملة الصعبة، والمؤكد أن تشارك قوى حزبية وانقلابية في سحب العملة لضمان استمرارية نشاطها».
الإمارات و«الشرعية»

وعن من يقف خلف انهيار الريال اليمني، قال القيادي في «الحراك الجنوبي»، عبدالكريم السعدي، إن «الإمارات والشرعية هما من أوصلنا إلى حالة السقوط التي نعيشها اقتصادياً، الإماراتيين تقريباً يقومون بعمل دولة في الظل خارج إطار الشرعية، ويضخون العملة الصعبة لتغطية مشاريعهم وخططهم، ولشراء ذمم أتباعهم وأدواتها من دون المرور عبر الاطر المصرفية، ومن دون الالتزام بأبواب الميزانية المقرة من قبل البنك المركزي اليمني». 
واعتبر السعدي خلال حديثه إلى «العربي»، أن ذلك الأمر أثر على استقرار أسعار الريال أمام العملات الأخرى، وفي اي مجتمع اقتصادي يتم ضخ عملات إلى اسواقه من دون تخطيط وخارج أطر الخطط المالية، يتأثر سلبا كتأثره عند طباعة العملة المحلية من دون إيجاد غطاء»، مضيفاً «شهدنا في الفترة الماضية صراع الإمارات وأدواتها والشرعية، فالأولى تضخ العملة الصعبة غير المقننة وغير الخاضعة للقوانين المالية وغير المنظمة، وتسحبها أيضا بطرق غير قانونية، والشرعية تقابل ذلك بطباعة المزيد من العملات المحلية من دون غطاء». 
ودعا السعدي، الرئيس هادي «بسرعة تطهير جهاز الدولة من الفساد، والعمل على مركزة التعامل بالعملة الصعبة عبر البنك المركزي، ومنع تداول العملة خارج الاطار القانوني، وإصدار قانون يحرم المتاجرة بالعملة من دون ترخيص أو إحياء القوانين السابقة المهتمة بهذا الشأن».
حالة حرب
ويرى عبدالكريم السعدي أن «أسباب انهيار العملة لا علاقة لها لا باقتصاد إقليمي ولا دولي، فبلدنا تعيش حالة حرب، وهي تقريبا معزولة عن العالم إلا من إرسال الأسلحة وأدوات القتل، فهي الرابط الوحيد الذي يربطنا بكل ذلك المحيط».
وأوضح أن الأسباب الرئيسية أيضاً «صراع الحكومة الشرعية ممثلة بالرئيس هادي مع دولة الإمارات المتحدة، وهو الصراع الذي بات معروفاً للعالم اجمع، إلا المستغفلين من أبناء الجنوب، ففي كل لقاءاتنا مع سفراء العالم ومنظماته الدولية يقرون بوجود هذا الصراع، بينما البعض الجنوبي ما زال يغط في نوم عميق»، مضيفاً أن «هذا الصراع هو رأس المشكلة، ويأتي تحت يافطته الصراع الجنوبي الجنوبي، الذي توظفه الإمارات توظيفا سيئا للأسف وتستخدم له الأدوات الطيعة».
مأساة إنسانية

وحمَّل الناشط أنور الهلالي في حديثه إلى «العربي»، المسؤولية لـ«التحالف الذي تقوده السعودية، كونه الوصي بموجب قرارات الأمم المتحدة ولم يلتزم بما تعهد به، واكتفى ببيع الوهم والترويج الإعلامي لدعم غيرموجود، عدا فتات هنا وهناك». 
وقال إن «السعودية اعتادت على تسويق الوهم، والتستر على حجم المأساة الانسانية المتفاقمة في اليمن، وتقديم تقارير مضللة عن الدور الذي لعبته لإعادة تطبيع الحياة والتخفيف من حدة الوضع الإنساني في اليمن»، موضحاً أن «تدخلات السعودية لإنقاذ الاقتصاد اليمني ووقف انهيار العملة المحلية لم يتعد حبر الاتفاق الموقع بتقديم الرياض ملياري دولار دعما للبنك المركزي، بينما لم يصل من ذلك شيء، الأمر الذي انعكس سلبا على قيمة الريال اليمني، الذي تهاوى بصورة متسارعة وفقد أكثر من 3 أضعاف قيمته أمام الدولار، خلال سنوات الحرب».
وأشار أنور إلى أن «هناك سلوكيات حكومية ساهمت في انهيار العملة، أولها نقل البنك المركزي بدون دراسة جدوى، وسياسة إهدار المال العام بالتعيينات والهبات وإطلاق يد التجار، وغياب هيئات الرقابة المالية، وطباعة العملة وبدون غطاء، وسحب العملات الصعبة من الأسواق ودخولها في ثقب أسود».

 

التعليقات