قد تُحبس في زنزانة لجرم اقترفته وهذا طبيعي في الدول التي تحكمها الأنظمة والقوانين، لكن أن تحبس في وطنك بسبب أنك تنتمي إليه فهذا من مفارقات الزمن العجيبة، هذا حال الشعب اليمني منذ أكثر من ثلاثة أعوام بعد إطلاق الجارة العربية الكبرى حربها على اليمن تحت وسم «عاصفة الحزم» وبعدها «عاصفة الأمل» التي انتزعت من قلوب اليمنيين أي أمل في حياة كريمة في أقل صورها، وأهدرت كرامتهم، وسلبت أغلب حقوقهم الإنسانية، وليس آخرها حق التنقل بحرية كما كفلته لهم جميع الشرائع السماوية قبل الوضعية.
لم يتبق لدى الشعب سوى نوافذ صغيرة يروى من خلالها نور الأمل الذي حاولت «عاصفة أمل» جارتهم  وأخواتها انتزاعه من قلوبهم، ويمثل مطار سيئون الدولي النافذة الأبرز التي يطل عبرها اليمنيون خارج سجنهم الكبير ويعودن عبره ليس حباً في السجان بل لعشقهم لتراب ذاك السجن النقيّ.
كان لمطار سيئون الدولي بادرة  إنهاء أزمة العالقين من اليمنيين في دول العام المختلفة بعد الحصار الجوي والبحري والبري الذي فرضته دول التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية، فكانت أولى رحلات العائدين في شهر أبريل من العام 2015م بعد أشهر من المعاناة خارج اليمن.
مرضى على قارعة الانتظار
نتيجة الضغط الذي يتعرض له المطار وشركة «اليمينة» للطيران المدني، الوحيدة التي تحلق في الأجواء اليمنية، والعدد المهول للمسافرين عبرها وجلهم من المرضى، يتخلف العديد من المحتاجين للسفر العاجل لعدم وجود حجز مستعجل لهم.
 يقول أحد موظفي المطار في حديث لـ«العربي»: «تتحرك كل يوم  رحلة تقريباً  لليمنية مع تواجد طائرتين فقط للشركة، إحداها متوسطة والأخرى صغيرة، لذلك يكون عدد الأشخاص الذي تقوم بحملهم قليل جداً يصل في حدة الأعلى إلى 150 راكباً، كما أنه في الأيام الأخيرة أصبح سعر التذكرة ما يقارب 315000 ألف ريال يمني لرحلة القاهرة التي يتوجه إليها أغلب اليمنيين»، مضيفاً: «في كل رحلة يتخلّف من اثنين إلى أربعة مسافرين لا تسع لهم المقاعد بعد تسجيلهم في الاحتياط، في الحقيقة موقف مؤلم عندما ترى مريضاً على كرسيه ينتظر بألمه أن يتم التبرع له فقط بمقعد دفع حقه مقدماً، يحاول الجميع جاهدين تقديم الخدمة لمثل هؤلاء ولكن الظروف لا تسمح، من الأفضل لو  تم توفير الطائرة الكبيرة لاستيعاب مثل هذه الحالات».
ثكنة عسكرية
تحدثت تقارير إعلامية في مطلع العام الجاري عن مساعي المملكة العربية السعودية عبر ضابط الارتباط السابق بالمنطقة العسكرية الأولى الملقب «أبو فهد» لتحويل  المطار إلى ثكنة عسكرية، الأمر الذي أدّى إلى استقالة المدير السابق لمطار سيئون الدولي  حسن فرج الكثيري، تقارير سارع إلى نفيها مصدر عسكري في قوات الشرطة الجوية المكلفة بحماية مطار سيئون الدولي، الذي أكد أن «مطار سيئون الدولي تحت حماية قوات الشرطة الجوية التابعة لقيادة المنطقة العسكرية الأولى، ودور التحالف فقط هو فحص الأسماء التي ستسافر عبر المطار للتأكد من عدم وجود مطلوبين أمنيين  بالرحلة». الصحفي عثمان أحمد يؤكد فرضية سعي «التحالف» للتحكم الكامل بمطار سيئون الدولي ويقول في حديثة لموقع «العربي»، بالقول: «مطار سيئون الدولي منفذ حيوي، لكن هناك جهات تسعى إلى السيطرة عليه، بالإضافة إلى تدخلات التحالف العربي في جميع تفاصيل العمل في هذا المرفق، ولولا خضوع  المنطقة العسكرية الكامل للقيادة الشرعية لما تردد التحالف في تحويل المطار إلى ثكنة عسكرية، وحرم المواطنين والمسئولين على حد سوى من السفر عبره أسوة بغيره من المطارات». وجهة نظر أخرى يضعها الكاتب الصحفي عبد الجبار عوض لموقع «العربي»، بقوله: «استبعد تحويل القوات السعودية مطار سيئون الدولي لثكنة عسكرية لغياب المبرر الذي يمكنها من ذلك، لأنها ستصطدم بالحكومة الشرعية كما فعلت حليفتها عند محاولاتها السيطرة على مطار سقطرى، وكما يحدث لها في المهرة، بخلاف دولة الإمارات العربية المتحدة فقد وجدت مسوغات مقنعة للسيطرة العسكرية على مطاري عدن والريان، فالأول بحجة طرد الحوثيين والثاني بحجة طرد عناصر تنظيم القاعدة، لكن نستطيع أن نقول إن مطار سيئون الدولي الآن يدار بشكل كامل من قبل السعودية لكن بأدوات محلية، والدليل إلقاء القبض على مواطن أردني هرب عبر الحدود اليمنية وعليه رسوم بالمملكة بلغت 25000 ريال سعودي، فعند محاولته السفر عبر المطار تم القبض عليه فوراً وترحيله إلى المملكة، هذا يدل بما لا يدع مجالا للشك، بأن المطار مرتبط بشكل كبير بالمنظومة الأمنية بالمملكة العربية السعودية».
معاناة الـ24 ساعة
 أربع وعشرين ساعة من المعاناة يقضيها الموطنين القادمين من محافظات الشمال اليمني، للوصول إلى مطار سيئون الدولي المطار الوحيد الذي يستطيعون السفر عبره بعد إغلاق التحالف لجميع مطارات الجمهورية. معاناة تلخصها الناشطة في حقوق الإنسان الأستاذة صباح أحمد بقولها: «أربعة وعشرين ساعة من الألم قضتها الحاجة مسنة تعاني من مرض سرطان الدم عندما تم تحويلها للعلاج بدولة الهند، فناهيك عن وجع المرض وصعوبة استخراج طلبات السفر وتوفير مبلغه، عانت هذه المسكينة البالغة من العمر أكثر من 50 عاماً من الوجع المستمر خلال الرحلة التي قضتها من صنعاء إلى مدينة سيئون، فلم تعد الطريق نفس الطريق التي يستطيع المسافر الوصول من خلالها إلى سيئون في ثماني ساعات، بل انطلقت بطريق أخرى بسبب الجبهات المشتعلة في نهم، وممّا زاد من طول الرحلة النقاط العسكرية، حيث يتم تأخير المسافرين لساعة أو يزيد، وقد عانت الحاجة من احتباس السوائل، وتورم في الأقدام وإرهاق حاد خاصة أنها كانت تعاني من مرض السكر».
معاناة يؤكدها أمير الشحرة، في حديثة لـ«العربي»، عن تفاصيل قصة سفرة  إلى سيئون «كانت أيام عيد فلم أجد باصات النقل الجماعي بمحافظة إب بحجة أنها أيام إجازة ولضرورة وصولي في الميعاد لمطار سيئون، توجهت فجراً بسيارتي الشخصية برفقة أخي إلى مدينة ذمار مسافة ساعتين ونصف لعلنا نجد سيارات تتحرك لمدينة سيئون، وجلسنا بمدينة ذمار قرابة ساعتين، وللأسف لم نجد أي سيارة متحركة لوجهتنا، فانتقلنا لمدينة رداع بمحافظة البيضاء، وجلسنا أيضاً ساعتين في انتظار المواصلات، وللأسف فشلت محاولتنا الثانية، فاضطررت للوقوف على الشارع العام لفترة طويلة حتى أخذتني سيارة أحد المواطنين، وقمنا بالمشي مسافة أكثر من 20 كيلو في طريق وعرة، وبعد وصولنا للعبر، أخذت سيارة خاصة بمبلغ 30 ألف ريال إلى مدينة سيئون، وأخيراً وصلت مدينة سيئون الساعة الرابعة فجراً. كانت رحلة مرهقة، وأنا شاب وبكامل صحتي وحيويتي، أتساءل كيف حال العجزة وأصحاب الأمراض؟ استغرب ما السبب في استمرار التحالف بإغلاق مطارات الجمهورية إلى اليوم. هذه حرب عبثية يجب أن تتوقف».
يذكر  أن مطار سيئون الدولي قد تعرض لأكثر من هجوم «إرهابي» من قبل عناصر تنظيم «القاعدة»، بحجة أن المطار يحتوي على غرفة عمليات لتسيير طائرات الدرون  لاستهداف قيادة التنظيم في المحافظات الشرقية والجنوبية بالجمهورية.

التعليقات