أربعة أعوام من القتال المستمر في مدينة تعز اليمنية، لا «التحالف» ولا «العاصفة» ولا «إعادة الأمل» أنهت الحرب، هي فقط قتلت الأمل، وقضت على كل شيء جميل في المدينة. تعز هي واحدة من أكثر المدن اليمنية التي طالتها آلة الحرب والدمار الممنهج، والذي لم يقف عند حدود استهداف البنية التحتية والاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل تعداها إلى محاولات نسف هوية الأجيال القادمة، وقد وضع ذاك التدمير نصب عينيه إسقاط العملية التعليمية وحرف مسارها لأجندات مشبوهة.

عسكرة المدارس الحكومية

وعلى الرغم من أن الكثير من المدارس الحكومية في مدينة تعز تعرضت للقصف والتدمير، إما بقذائف المتحاربين أو بغارات طيران «التحالف»، إلا أن الدمار الذي طاول العملية التعليمية، والذي لا يمكن إعادة إعماره وفقا للكثيرين، امتد إلى «تلك المناهج التعليمية التي تقدمها المدارس الأهلية لأبنائنا الطلاب، والتي توسعت بشكل مخيف خلال السنوات الأخيرة من الحرب».

تجارة رابحة

ويشير أخصائيون إلى أن «إغلاق بعض المدارس الحكومية التي لم تتعرض للدمار، من قبل القوات الموالية للرئيس عبدربه منصور هادي في تعز، واستخدامها كمخازن للأسلحة، أو ميادين للتدريب، ضاعف من زيادة أعداد المدارس الأهلية، والتي أصبحت بمثابة تجارة رابحة لعدد من التجار الذين يمنحون المدرسين راتباً يتراوح بين 20 و60 ألف ريال شهريا، برغم أن رسوم التسجيل للطالب الواحد تتراوح بين 50 و200 ألف ريال للعام الدراسي، مع رسوم أخرى يدفعها الطالب ثمناً للكتب وبدلات سيارات نقل الطلاب من المنزل إلى المدرسة والعكس».

مدارس لمسخ الهوية

«عدد المدارس الأهلية في تعز، أكثر من عدد محلات بيع الدجاج»، هكذا أجابنا الحاج علي صالح، وهو أحد سكان حي وادي القاضي، عند سؤالنا إياه عن المدارس الخاصة في مدينة تعز.

الحاج صالح أكد في حديثه إلى «العربي»، أنه «اضطر إلى نقل أبنائه الطلاب من إحدى تلك المدارس الخاصة إلى مدرسة حكومية، على الرغم من بعدها عن منزله بمسافة كبيرة»، لافتاً إلى أن «تلك المدارس لا تعلم الطلاب بقدر ما تمسخ هويتهم وثقافتهم».

ويرى مختصون أن «الكارثة لا تكمن عند انتشار هذه المدارس الأهلية والتي لا تمتلك أدنى المعايير لأي منشأة تعليمية، بل إن الكارثة الحقيقية تكمن في أن هذه المدارس أصبحت مؤدلجة وممولة من بعض دول التحالف بغرض نشر مفاهيم متطرفة تخدم أجندة تلك الدول».

مصدر مسؤول في مكتب التربية بتعز أكد في حديث إلى «العربي»، أن «معظم التصاريح التي تم إصدارها لمالكي المدراس الخاصة في تعز، منحت لقيادات عسكرية وأخرى سياسية، تمولها بعض دول التحالف وفي مقدمتها قطر والإمارات».

وكشف المصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن «عملية الاستثمار في مجال التعليم الخاص بالمدينة، عملية منظمة، تقف وراءها شخصيات اعتبارية تتبع أطراف مؤدلجة فكرياً، في جماعة الإخوان المسلمين وجماعة السلفيين»، مشيراً إلى أن «هذا الاستهداف الممنهج للعملية التعليمية، سيكون له عواقبه الوخيمة على مدينة الثقافة والوسطية والاعتدال».

تجاوزات مرعبة

وعلى الرغم من أن اللجنة الخاصة بمنح التصاريح للمدارس الأهلية تعتمد على عدة معايير منها، «تخصيص متر ونصف لكل طالب في المساحة المخصصة للأنشطة، على أن يكون حجم الفصل 4 في 6 أمتار والإضاءة والتهوئة مناسبة، وحتى نوعية الطلاء للفصل يجب أن يكون مناسباً وهادئاً»، بالإضافة إلى «توفر الوسائل التعليمية، والمعلمين المتخصصين بمعيار أن يتواجد معلم واحد لكل 25 طالب، وتخصيص الحمامات والبوفيه وملحقات العملية التعليمية». وترى الجهات المسؤولة أن منح مكتب التربية والتعليم تصاريح عمل لهذا الكم الهائل من المدارس الخاصة، والتي تفتقد للكثير من المعايير كونها «البديل المناسب لاستمرار العملية التعليمية في ظل الحرب»، فضلاً عن اعتبارها «مشروعاً متاحاً لأي مستثمر».

القائم بأعمال مدير عام المدارس الأهلية في مكتب التربية والتعليم بتعز سابقاً، ورئيس قسم المدارس الأهلية، عبد الله فرحان، أوضح في حديث خاص، لـ«العربي»، أنه «وخلال الأعوام الماضية 2016 و2017، كنا نتجاوز عن 60% من المعايير، بسبب أن معظم المدارس كانت واقعة تحت سيطرة المجاميع المسلحة أو في خطوط التماس، ولكن أن يتم التجاوز عن 70% من المعايير اليوم بعدما سلمت الكثير من تلك المدارس الحكومية والتي فتحت أبوابها أمام الطلاب، بالإضافة إلى انتظام عملية صرف المرتبات، فهو أمر مرفوض وغير مقبول إطلاقاً».

وأضاف «كنا قد عملنا أنا و7 من الزملاء على إيجاد مكتب للتربية من العدم، وبدأنا بالعمل وعملنا على فصل مكتب التربية عن الحوبان، وعندما بدأ المكتب يعمل بشكل جيد، تم تعيين مدير مكتب التربية عبد الواسع شداد (والمقرب من حزب الإصلاح) والذي عمل حينها على إعادة هيكلة الكادر الإداري وإحلال عدد من المتقاعدين بدلاً عنهم».

وأكد فرحان، أنه «ومنذ قرابة 7 أشهر، توقف عن العمل بسبب تلك الممارسات والتجاوزات والإقصاء لكل الكوادر التي لا تنتمي إلى الحزب»، مشيراً إلى أنه «تم استدعاءه مرتين من قبل مدير مكتب التربية فرفض إجابة الدعوة».

واستبعد أن «تكون هذه المدارس المصرح لها حديثاً في قطاع التعليم الخاص أو السابقة، مدعومة من دول خارجية»، لافتاً إلى أن «قطاع التعليم الأهلي في تعز استحوذ عليه حزب الإصلاح بشكل كبير جداً، بالإضافة إلى نسبة محدودة من تلك المدارس تتبع قيادات في الجماعات السلفية».

وفي المقابل يؤكد مختصون، أن «فتح هذه المدارس بهذا الشكل لا يعتبر حلا، كون البديل محصور على طبقة الأغنياء من جهة، ولا يمتلك معايير ومواصفات منشأة تعليمية من جهة أخرى»، مؤكدين أن «الهدف من فتح هذه المدارس لا يمت لخدمة العملية التعليمية من قريب أو بعيد، بقدر ما هي للاسترزاق، على حساب تدمير جيلا بأكمله».

التربوي، محمد صالح أحمد، أوضح في حديثه إلى «العربي»، أن «المدارس الأهلية المصرح لها بمزاولة العمل خلال فترة الحرب لا ينبغي أن نطلق عليها مدارس بل حانات تعليمية، لا ترتقي إلى مستوى وصف منشآت تعليمية»، مضيفاً أن «الكثير من تلك المدارس فتحت للاسترزاق لأن التعليم فيها يقتصر على شريحة الأغنياء من المجتمع فقط».

وأشار إلى أن «منح هذه المدارس تصاريحاً وهي غير مؤهلة ولا تتوفر فيها 50% من المواصفات والمعايير للمنشآت التعليمية ليس حلا، بل هو في حقيقة الأمر عبء على تعز، واستهداف ممنهج للعملية التعليمية».

التعليقات