لو أرادت «واشنطن» أن تكف أيدي السعودية عن «جمال خاشقجي»، لكان هذا الأخير، يبصق في عين الملك سلمان ونجله غير مبالٍ بعواقب.
«خاشقجي» وهو أمين سر لأكثر من أمير من العيار الثقيل انتهاءً بالملك عبدالله ـ رفع عقيرته منادياً بأخطر مطلب سياسي ورد على لسان معارض ضليع في كواليس الأسرة المالكة حتى اللحظة، عندما دعا إلى «ملكية دستورية» في السعودية.
ومن المؤكد أنه لم يُقدم على هذه الخطوة من دون ضوء أخضر أمريكي، لكن الأرجح أنه وقع فريسة لِوَهم أنه يمكن أن يشغل موقعاً رفيعاً في مستقبل المملكة الموضوعة على جادة التغيير، بينما كانت حسابات «واشنطن» على النقيض من ذلك، فدفعت به إلى فخ «القنصلية في اسطنبول» لتجعل منه ورقة فضائحية مشهودة ضاغطة على «سلمان» ونجله، وأضحية على مذبح إعادة هيكلة أطُر الحكم الملكي في السعودية.
ظهْر الملك وولي عهده المثقل بحمولات جائرة من الخيبات المتلاحقة، لم يكن ينقصه سوى هذه القشة الضخمة والهشة في الوقت ذاته، والتي قصمت ولا ريب العمود الفقري لطموح «الدب الداشر» في أن يخلف مؤخرة أبيه على العرش؛ وبات مؤكداً أن ذلك لن يحدث على المديين القريب والمتوسط، إلا إذا أخضعت تخمة منصب الملك لبرامج تخسيس تشفط معظم سلطاته لصالح حكومة ومعارضة في ظل نظام برلماني «ملكي دستوري»... وهو ذاته «بيان التغيير» الذي أذاعه موجزاً وفي غير أوانه، الأضحية «خاشقجي» في إحدى تغريداته الأخيرة الأخطر على «تويتر» والتي من بينها تغريدة يطالب فيها بـ«وقف الحرب في اليمن».
لأمريكا و«بريطانيا» بالتأكيد ـ دور رئيس في عملية استدراج الصحفي الدولي «جمال خاشقجي» فهو ـ حد الكاتبة الفلسطينية حياة ربيع ـ يعرف أكثر مما يجب على مستوى أكثر من ملف سياسي وديبلوماسي، لذا كانت تصفيته مصلحة لأكثر من طرف لا حكراً على «الرياض».
وترى «ربيع» في ترشيح «اسطنبول» كمسرح نائي للاغتيال برهاناً على الدور الأمريكي في الجريمة، لا سيما وأن «خاشقجي» كان بوسعه استخراج ما يلزم من أوراق شخصية من إحدى قنصليات المملكة في منفاه بالولايات المتحدة، من دون حاجة لمخاطرة السفر إلى تركيا وولوج قنصلية بلده بالسذاجة الواردة في رواية «أنقرة»!
تضفر «واشنطن» لـ«سلمان ونجله» حبل المشنقة بمثابرة، ويضع هذان الأخيران رأسيهما في عروتها بوثوق عجيب لجهة «نقد ومديح الأصدقاء»، وفقاً لعبارة ولي العهد التي علق فيها على سلسلة إهانات «ترامب» المتلفزة له ولأبيه.
واقعة «اغتيال خاشقجي» إن ثبتت، ليست خبراً اعتيادياً عابراً سيمر مرور «مذابح المملكة بحق الشعب اليمني أو واقعة اغتيال الفنانة ذكرى»، بل سيكون لها ما بعدها انسحاباً على مستقبل المملكة ونظام الحكم فيها.

التعليقات