دقيق القمح غير موجود في الأسواق، وإذا حالفك الحظ ووجدته في أحد المحلات القليلة المفتوحة، فعليك أن تدفع خمسة عشر ألف ريال للحصول عليه.

  في اليمن، ومنذ سنوات طويلة، كان هناك معياران لوصول الأزمة الإنسانية إلى ذروتها؛ انعدام دقيق القمح والمشتقات النفطية. حينها كانت الأزمات لا تطيل البقاء عند الذروة، رغم تبعاتها التي تبقى ملازمة للأسعار وقيمة العملة الوطنية، كانت الأزمات تنفرج تدريجياً قبل أن ترسم على وجوه الناس تلك السحابات الصفراء خوفاً من الجوع ومن العجز عن توفير لقمة العيش. قليلون من يتنبهوا إلى أن زمن تلك الأزمات كان مختلفاً عن هذا الذي وصلنا إليه. زمن لم تكن فيه الأنظمة السياسية قد وصلت إلى هذا الحضيض من تلاشي روح المسؤولية في أداء القادة وانعدام الشعور بالخجل، ومن اللامبالاة بمآسي الشعوب واحتياجاتها جمعياً وفردياً. زمن لم تكن فيه النزاعات المحلية تتغذى على الصراع الدولي وسباق التسلح، واستعباد أسواق الشعوب الحرة.

  في تسعينات القرن الماضي، كان هناك محارب سبتمبري يتحدث بتوجس عن المساعدات والقروض الأمريكية والأوروبية لليمن، سيّما المساعدات الغذائية. لم يكن يتحدث كثيراً عن أسباب تخليه عن رتبته العسكرية وراتبه، لكنه طالما أغدق الشتائم على المسؤولين الحكوميين كلما ظهروا في نشرات الأخبار المتلفزة التي كان يواظب على مشاهدتها كل مساء. وبنفس الدأب من المواظبة على متابعة الأخبار المحلية والدولية، كرّس جهده لفلاحة أرضه محاولاً تحقيق اكتفاءه الفردي من الغذاء، حتى القمح لم يكن يشتريه من تجار الاستيراد إلا بعد أن يحاول الحصول على حبوب القمح المزروع محلياً كيفما كانت جودته.

  عندما كانت تبادر بعض الدول الصديقة لليمن في إرسال شحنات المساعدات الغذائية عند وصول الأزمات إلى ذراها، كان ذلك المحارب القديم يشنّ حملات مضادة إزاء ما يسميه الغزو الاقتصادي. «هم يشتوا (يريدون) يعوّدوا المزارعين اليمنيين على الكسل والاعتماد على الاستيراد حتى في لقمة العيش. الأمريكان والأوروبيين يستعمرونا اقتصادياً وبعدين بيستعمرونا عسكرياً». طالما كرر هذه الأفكار بصيغ مختلفة، غير عابئ بالسخرية التي كان يتلقاها، خاصة من طلاب المدارس والجامعات وحتى من مدرّسين. قليلون من كانوا يشاركونه رؤيته لمسار الحياة الذي سيمضي بعشرات الشعوب عاثرة الحظ إلى مجاعات متلاحقة. ليس بالضرورة أنه كان محقاً في ما يمكن تسميتها «نظرية المؤامرة» التي كان يؤمن بها، لكنه كان من أولئك القلّة المتحمسين للعمل ضمن مبدأ «نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع». ومع تقدمه في العمر، صار وجهه أكثر هشاشة أمام التجاعيد وملامح الحزن، رغم أن مخازن داره ظلت عامرة بالذرة الشامية والذرة البيضاء والحمراء والدخن حتى وفاته. في سنواته الأخيرة، كان يتحدث باقتضاب متحسّر، عن عدم استغلال حقول تهامة وقيعان ذمار ووادي السحول في إب. تلك كانت حدود خبرته وطموحه الزراعي. لم يذهب به حماسه للمواطنة الفاعلة نحو استكشاف إمكانيات أودية صعدة ومزارع لحج وأبين وحضرموت. كما لم يتوقع الساخرون من حماسه وتوجسه، أن تصل أزمات الغذاء إلى مستويات المجاعة، وأنهم سوف ينتظرون المساعدات الغذائية برؤوس مطأطئة ووجوه تقاوم المهانة بغضب عدمي.

  على نحو رومانسي، تخطر في أذهاننا أفكار هزلية للمقارنة بين أزمات «الزمن الجميل» وأزمات زمن الانحطاط هذا، بينما تغص المرارة في حلوقنا من تفاقم هذه الأزمة وصولاً إلى شلل أكثر من نصفي لشرايين الحياة. الكثير من محلات المواد الغذائية مغلقة، والأسواق التي كانت تعجّ بالبشر شبه خالية. هناك جائعون لم يتمكنوا من مغادرة بيوتهم، ومن تبقى في عروقه رمق لمواصلة العيش، يخرج مسعوراً للحفاظ على تماسكه. إنها القيامة، لكن بعد النفخ في الصور وقبل المحشر.

التعليقات