الثورات كالزلازل والبراكين لا يمكن قراءتها أو التنبوء اليقيني بلحظة وقوعها، ولكن هناك دائماً مؤشرات تتضح وتقوى بمقدار قوة القمع والإرهاب والإذلال والتجويع والتشريد والفساد والاستبداد وإهانة الكرامة الآدمية، والاعتداء الخارجي والاستعمار بمختلف صوره وأشكاله؛ فكل هذه عوامل حقيقية صانعة للثورات.
عيب الطغاة، عبر التاريخ، أنهم يعتقدون أن القوة والجبروت والطغيان والإيغال في التجويع والإذلال والدوس على الرقاب هي الوسيلة المثلى للاستنقاع في الحكم. فالقوة وسيلتهم الوحيدة للوصول للحكم والتأبيد فيه. كل طاغية يظن أن حكمه خالد وأبدي، وأنه بمقدار ما يمتلك من وسائل القوة والقهر؛ بمقدار ما يكفل بقاءه وديمومة حكمه، وصولاً إلى التأله.
عظات الرسالات السماوية، وتجارب الأمم والشعوب تقص: «ما علمت لكم من إلهي غيري».[ القصص: 38] خراب العمران، واندثار الممالك والعروش مرتبط بالظلم، وبطر النعمة. قصص القرآن، وهي غالبية القصص، تتحدث عن ذلك. «وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد». [الفجر:10-14]. «وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى». [النجم: 52]. «فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية، وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية». [الحاقة:5-6]. «وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها، فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً، وكنا نحن الوارثين». [القصص: 58]. «فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا، وظلموا أنفسهم، فجعلناهم أحاديث، ومزقناهم كل ممزق).[ سبأ: 19].
معظم القص القرآني عن الظلم والطغيان كسبب أساسي للفناء وزوال الملك. عشرات السور، وآلاف الآيات والمفردات تغمر النص القرآني متحدثةً عن الطغيان والظلم والبغي والجور وسوء مآل أصحابها.
الرزية، كل الرزية، أن «أنصار الله» آتون من مظلمة تعاطف الناس معهم فيها، ولكنهم ما إن استولوا على السلطة بانقلاب 21 سبتمبر 2014  متحالفين مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، حتى تحولوا إلى ظلمة، ويريدون أن يكونوا أكثر ضراوة وعنفاً من جلادهم السابق صالح، وخطيئتهم هي دعاوى التماهي مع القرآن والتمسك به، بينما مسلكهم متعارض مع مبادئ القرآن الكريم.
في المحافظات الواقعة تحت سلطتهم «سلطة الأمر الواقع»، يحاولون أن يتفوقوا في الظلم على كل من سبقهم، وأن يكونوا هم أظلم وأطغى، وأسوأ من خصومهم، سواء الشرعية، أو قوات «التحالف» السعودي- الإماراتي.
مآساتنا، كيمنيين، أن البلد المفكك والمنقسم والمعتدى عليه، محكوم بمليشيات مدججة بالأمية والسلاح والعداوة للحياة والعصر، معتقدةً أن القوة فوق الحق.
إن الظلمة، كل الظلمة، لا يتعظون. «ولو ردوا لعادوا إلى ما نهوا عنه». [الأنعام:28]. وهناك مقولة شهيرة للفيلسوف هيجل: «العظة العظيمة من التاريخ أن لا أحد يتعظ به!«.
المأساة هو تحول الضحية إلى جلاد، ومحاولة الضعيف الاستقواء على شعبه في حين يواجه وشعبه عدواناً خارجياً، ومحنة أكبر. تترافد هذه المليشيات التي تتقاتل، وليس لها من قضية إلا استدعاء العدوان الخارجي: السعودي- الإماراتي، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
تتشارك كل المليشيات المتحاربة في تدمير الكيان اليمني، ونهب الثروات، وتمزيق النسيج المجتمعي، وإفساح السبيل أمام السعودية والإمارات؛ لاحتلال الموانئ والجزر، وتفكيك الأرض اليمنية.
في عدن تحرك متظاهرون مسنودون من الحراك المدعوم من الإمارات ضد الشرعية وحكومتها. يتزامن ذلك مع لقاء الزبيدي، رئيس «المجلس الانتقالي» بالمبعوث الأممي في دبي. يحتج «الحراك الجنوبي» المسلح المعترف شكلياً بـ«الشرعية»، والمطالب بالانفصال، على حكومة بن دغر متهماً إياها بالفساد، وهو يرى أنه الممثل الشرعي والوحيد للجنوب.
غير خافٍ أن للإمارات اليد الطولى في تشكيل الأحزمة الأمنية والنخب النافذة في العديد من مناطق الجنوب، كما أن الإدارة الأمريكية، رغم عدم وجود عسكري قوي لها على الأرض، بدت هي الأقوى؛ حيث يتجلى ذلك في زيارة قائد المنطقة الوسطى في الأسبوع قبل الماضي لمدينة عدن؛ ليتولى بنفسه تسيير الأمور هناك كقائد فعلي.
أطراف الحرب الأهلية وميليشياتها كلها ضعيفة إزاء القوة الإقليمية، وبالأخص قيادة «التحالف» السعودي- الإماراتي. والأنكى أن القوة الإقليمية «كلية القدرة والجبروت» على اليمن ضعيفةٌ حد الهشاشة والإذلال في مواجهة السيد الأمريكي؛ فعند زيارة قائد المنطقة الوسطى تجاهل وجود الشرعية والحراك والإماراتيين معاً، وتصرف كقائد ميداني.
في تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب، في مكالمته مع الملك سلمان، يؤكد أنه حامي هذه الأنظمة التي لا تستطيع البقاء في الحكم لأكثر من أسبوعين، كقول ترامب بـ«عظمة لسانه».
نشعر بالحزن مرتين: الأولى: لتغول مليشيات أهلية في طول اليمن وعرضها تنكل باليمن واليمنيين، وتتشارك في تدمير البلاد واستباحتها، وتعطي الولاء للصراع الإقليمي السعودي- الإيراني متحولةً إلى أدوات. والثانية: أن قيادة «التحالف» السعودي- الإماراتي تبرز، هي الأخرى، كأدوات في صراع دولي يدمر الأمة العربية:  مدنها، وكياناتها، وقواها، وينهب الثروة العربية، ويبتز الحكام بصلف وقحة.
المليشيات المتنمرة ضد شعبها والمرتهنة للصراع الإقليمي، وحكام الخليج المستأسدون ضد أمتهم وشعوبهم العربية، يواجهون الفضح والمهانة الأمريكية بصمت القبور.
لم يحصل في تاريخ أمتنا العربية أن وصل الإذلال إلى هذا المستوى. ثمانية وعشرون جمعة والشعب العربي في فلسطين يواجه قمع الاحتلال الإسرائيلي والغطرسة الأمريكية، في حين يغيب الدعم والتضامن العربي، ويقل الاهتمام، مجرد الاهتمام، بقضيتهم.
كل شعوب الأمة غارقة في صراعاتها الداخلية التي تهدد مصيرها. ثورة المجاعة في اليمن كسرت حاجز الصمت. ففي تعز، ودائماً يأتي الصوت من تعز، قامت انتفاضة أدانت كل الأطراف التي «ملشنت» المدينة، وفرضت عليها الحصار والتجويع والإهانة.
في جنوب الوطن تتمازج الاحتجاجات الشعبية بطبيعة الصراع بين «الحراك» المسلح و«الشرعية» المغيبة والحضور الإماراتي المؤجج للصراع. أما في صنعاء، فقد قُوبل الاحتجاج المدني السلمي باستنفار ما بعده استنفار وصل حد نشر الدبابات والمصفحات والمليشيات المدججة بالأمية والسلاح؛ لقمع المحتجين والنساء المحتجات ضد التجويع والفساد والاستبداد وانهيار العملة، وجرى اعتقال الطلاب والطالبات، وتقطيع الطرقات، وممارسة العنف والإرهاب ضد المطالبين بالخبز، الخبز الكفاف.
الخوف الرعيب الذي أظهره «أنصار الله»، والقوة التي أنزلوها إلى الشارع، دليل الضعف والعداوة للجماهير التي يدعون الدفاع عن سيادتها واستقلالها. يستحيل الدفاع عن سيادة شعب بتجويعه وقمعه ومنعه من الاحتجاج ضد المجاعة التي هو سبب من أسبابها؛ فانقلاب 21 سبتمبر 2014 جر الويلات على اليمن، وأدى إلى التدخل الأجنبي.
نذكر «أنصار الله» بأن القوة التي أنزلوها لقمع الاحتجاجات كانت بيد الرئيس السابق، ولم تستطع هذه القوة إسكات «الحراك الجنوبي» السلمي حينها، ولا «مقاومة» صعدة، ولم تستطع إخماد «ثورة الربيع العربي» التي كانوا جزءاً منها. لم تستطع هذه القوة مجتمعة قهر الجنوب الرافض لاجتياحهم، كما عجزت عن قهر مدينة تعز رغم الحصار المستمر منذ ثلاثة أعوام. لقد عجزت أمريكا بكل جبروتها عن الانتصار في فيتنام وأفغانستان والعراق والصومال، وتعجز إسرائيل منذ 48 عن إسكات الصوت والمقاومة الفلسطينية.
مأزق «أنصار الله»، وهم في غاية الضعف، أنهم يريدون الانتصار على ما تبقى تحت أيديهم بالغلبة والقهر، والتصدي في الوقت نفسه للعدوان السعودي- الإماراتي، غير مدركين أن الصبر على جورهم مصدره هذا العدوان، وأنهم لو اختاروا طريق التوحد مع كل مكونات شعبهم؛ لأمكن قهر الغزاة السعوديين والإماراتيين، بل لَمَا استطاع السعوديون والإماراتيون التفكير، مجرد التفكير، في غزو اليمن.
ليس من رد شعبي على الحرب والتجويع وانهيار العملة وانتشار الأوبئة وتفكيك اليمن وتقسيمها وتمزيق نسيجها المجتمعي غير الانتفاضة السلمية. الانتفاضة بدأت في تعز والجنوب وصنعاء، ولا بد أن تستمر؛ فهي وسيلة الشعب الوحيدة لدحر المليشيات في كل اليمن، والتصدي للعدوان الخارجي.
الحرب سبب رائس في كل ما وصلت إليه اليمن. فالجوع قد طال أكثر من 80 % من المواطنين، وبالأخص في صفوف الأطفال والنساء، والقتلى يبلغون عشرات الآلاف، والمشردون أكثر من ثلاثة ملايين، والأوبئة الفتاكة تكاد تستوطن الحديدة.
الحديدة المدينة الساحلية التي تقتات من مينائها وخيرات وديانها الكبيرة والكثيرة معظم مناطق اليمن، تعرضت منذ بضعة أشهر للاجتياح والحصار من قبل مليشيات جنوبية مسنودة بقوات إماراتية- سودانية بالأساس.
المدينة وسهل تهامة البالغ سكانها أكثر من سبعة ملايين تزود وديانُهُ وميناؤه الرئيسي أكثر من أحد عشر محافظة بالمواد الغذائية والدوائية الضرورية، وهي الآن عُرضة للتعطيل والحصار والحرب.
يتشارك في التعطيل والحصار والحرب مليشيات «أنصار الله»، ومقاتلون جنوبيون، وسودانيون، والعدوان السعودي- الإماراتي.
الحصار المفروض على الحديدة والتقاتل في الساحل التهامي كارثة الكوارث؛ فما يجري في اليمن كوم، وما يجري في الحديدة كوم آخر.
الحديدة وتهامة أغني مناطق اليمن تموت بالمعنى الحقيقي للكلمة. تموت من المجاعة التي تطال جل أهلها، وتموت بحمى الضنك والملاريا والبلهارسيا والكوليرا، وبكل الأوبئة المنقرضة في العالم، ويُفرض عليها الحصار والموت والتشرد.القمع المتصاعد ضد الاحتجاجات السلمية يُفقِد «أنصار الله» مصداقيتهم في الدفاع عن الشعب وحماية السيادة والاستقلال، وهو لا يستطيع حل كوارث المجاعة، وانهيار العملة، وتردي الأوضاع الاقتصادية؛ مما يزيد من الصعوبات، ويدفع بالجماهير لمواجهة القمع والإرهاب بتزايد الاحتجاجات واتساع رقعتها، وصولاً إلى سقوط حاجز الخوف، وعجز المليشيات عن قمع المحتجين، وإسكات أصوات الجياع الثائرة .

التعليقات