في الوقت الذي يطبق فيه الحصار الذي تفرضه دول «التحالف العربي» خناقه على اليمنيين في أقواتهم وأعمالهم، تذهب «الشرعية» بقرارتها المجحفة نحو تضييق دائرة الحصار الذي يدفع اليمنيون ثمنه باهظاً. 
اليوم، وبعد أربعة أعوام من الحرب التي حوّلت اليمن إلى سجن كبير، أصبح مجرد التفكير بالهروب منه مغامرة كبيرة، قد تقودك إلى الهلاك، أو الوقوع في شراك تجار الأزمات. رحلة الحصول على جواز سفر في ظل الأوضاع التي تعيشها البلاد، وقرارات «الشرعية» الكارثية، واحدة من الرحلات المحفوفة بالمخاطر والمعوقات والكلفة الباهظة. 
معاناة ممتدة
ثلاثون يوماً قضاها الشاب عبد الرحمن بدر، في رحلة الحصول على وثيقة جواز سفرٍ من مدينة عدن، العاصمة المؤقتة للحكومة «الشرعية». عبد الرحمن، المريض بالقلب، يقول لـ«العربي»، إن حالته الصحية تضاعفت سوءً جراء سفره إلى محافظة عدن لاستخراج جواز سفر من مصلحة الهجرة والجوازات التابعة لـ«الشرعية»، مضيفاً أن «كل الإجراءات في المصلحة مستفزة ومناطقية ولا يمكنك تجاوز أي مرحلة من مراحل المعاملة المعقدة دون أن تتعرض للابتزاز». ويؤكد عبد الرحمن، أنه «حصل على جواز السفر بعد أن دفع قرابة 30 ألف ريال يمني، بالإضافة إلى تكاليف السفر التي بلغت قرابة 20 ألف ريال يمني»، ويشير إلى أن «مريضاً آخر كان برفقته أثناء التوجه إلى عدن، قفل راجعاً إلى العاصمة صنعاء بعد أن أرهقه السفر، مستسلماً لقدره البائس».
وعلى الرغم من التجربة المريرة التي مرّ بها عبد الرحمن، إلا أنه استطاع أن يتغلّب على التحديات وأن يتجاوز المعوقات والعراقيل، وحصل على جواز سفر وإن كان باهض الثمن، في حين يقع البعض ضحايا التمييز العنصري فيفر لينجوا ببدنه بلا هوية. 
كراهية متجذّرة!
الناشط الحقوقي، وليد المنتصر، أوضح لـ«العربي»، أنه «تم حرمانه من الحصول على جواز سفر من محافظة عدن لحضور دورة تدريبة في احدى الدول العربية»، وأكد أن «إدارة الجوازات رفضت إصدار جواز السفر بسبب أن لقبي يعود لواحدة من أسر السادة الهاشميين والمؤيدين لجماعة الحوثي»، مضيفاً «لقد غادرت فوراً من عدن عند معرفتي بذلك خشية أن يتطور الأمر ويتم اعتقالي». وأشار إلى أن «كل هذه الممارسات العنصرية التي ترسّخ مبدأ الكراهية بين الشماليين والجنوبيين، رغم أنني لا أنتمي لأي جماعة دينية أو حزب سياسي»، لافتاً إلى أن «المفترض تحييد المؤسسات الخدمية عن الصراع، فالمواطن يكفيه ما يعانيه من الحرب والحصار في البلد».
وكانت «الشرعية» قد قرّرت، في مارس الماضي، إلغاء جوازات السفر الصادرة عن المؤسسات الواقعة تحت سيطرة حكومة «الإنقاذ» في صنعاء، في إطار المساعي لتجفيف مصادر تمويلها. وأصدرت «الشرعية» تعميماً إلى سفارات كل الدول بعدم التعامل إلا مع الجوازات الصادرة عنها، الأمر الذي ضاعف من معاناة المواطنين في المحافظات الشمالية، الذين أصبحوا مجبرين على التعامل مع سماسرة سوق الوثائق الشخصية السوداء.
تسهيلات... 
مصدر في مصلحة الهجرة والجوازات في تعز، أكد لـ«العربي» أن «مدير الجوازات كان قد أصدر تعميماً بتسهيل المعاملات للمواطنين في المناطق الخاضعة تحت سيطرة الحوثيين، كحل بديل، ورغم أن هذه التسهيلات تعتبر مخالفة للقانون، أن تقطع جواز سفر لشخص دون حضوره ولا بصمته، إلا أنه ومنذ قرابة 3 أسابيع أوقف معظم تلك المعاملات، رغم أن الكثير منهم كبار في السن ومرضى». 
وكشف المصدر الذي فضّل عدم ذكر اسمه، أن «مدير المصلحة يمرر بعض المعاملات التي تأتي عبر سماسرته الذين يدرون عليه مبالغ مالية ضخمة وبشكل يومي»، مشيراً إلى أن «هذا الإجراء المتخذ من قبل دحان انعكس بشكل سلبي هو المستفيد منه فقط حيث بلغ سعر الجواز الواحد قرابة 100 ألف ريال يمني». 
وفي المقابل، قال مدير فرع مصلحة الهجرة والجوازات في تعز، منصور دحان، لـ«العربي» إن «لديه صلاحيات من مصلحة الجوازات بتيسير إجراءات قطع جوازات السفر للمواطنين كبار السن والمرضى، الذين هم خارج مدينة تعز ومن كافة المحافظات في شمال الشمال الواقعة تحت سيطرة الحوثيين»، مضيفاً «سهّلنا إجراءات معاملات جوازات السفر لكبار السن والمرضى، والذين لديهم جوازات سابقة، كإجراء بديل لمساعدتهم، بحيث يقوم هؤلاء بإرسال كافة وثائقهم المطلوبة مع أحد أقاربهم لتتم المعاملة وبشكل سلس». 
...و«سماسرة» 
وتابع دحان، أن «المواطن هو من يفتح الطريق أمام السماسرة ويقوم بتكليف أشخاص غير مقرّبين منه أو موظفين بالمصلحة لمتابعة المعاملة، ونحن لا نستطيع أن نمنعهم، وهنا يأتي دوركم في توعيتهم». 
وأشار إلى أنه «يتم إيقاف هذه التسهيلات حينما يكثر السماسرة، ومن ثم فتحها بعد فترة بحسب الأوضاع، مثلاً تم إيقافها قبل فترة والآن تم تفعيلها بسبب موسم العمرة»، لافتاً إلى أن «التهمة دائما للجوازات والفائدة مع الغير، نحن نرد ناس من هنا فيذهبوا للإخوة في التربية أو المحافظة ويدفعوا لهم فلوس، لكي يمشوا الأمور في الجوازات، أبلغنا رئيس المصلحة إما أرفعوا الحصار أو أوجدوا لنا حلاً لهذه المشكلة».
وحول تحييد المصلحة عن أطراف الصراع، يرى دحان، أن حكومة هادي ممثلة برئيس مصلحة الجوازات، كانت قد تواصلت مع الجهات المعنية في صنعاء وطالبتهم بـ«تحييد المصلحة عن الصراع الدائر في البلاد باعتبارها خدمة للمواطن بالدرجة الأولى، لكن طلبها قوبل بالرفض»، ويضيف «نحن الآن نقطع جوازات لكل شخص يمني بغض النظر عن كنيته أو اسمه، أهم شيء ألا يكون ضمن قائمة المطلوبين أمنياً».
وعلى الرغم من أن المعاملات الإدارية العادية لاستخراج أي جواز سفر، والتي كانت لا تتعدى 3 أيام فقط، أصبحت حالياً تتجاوز الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع، بسبب أن كشوفات الأسماء تمر، وبحسب مصادر مؤكدة، «عبر جهازي الأمن القومي والسياسي اليمنيين للمراجعة، ومن ثم إرسالها إلى الرياض»، إلا أنه وبحسب المصادر، «تم منح عدد من المطلوبين أمنياً والعناصر الإرهابية جوازات سفر حديثه، تم قطعها من فروع مصلحة الجوازات في تعز وعدن ومارب، تمكنت من خلالها مغادرة البلاد». 
وفي السياق، أرجع مدير فرع مصلحة الهجرة والجوازات في تعز، منصور دحان، الأمر إلى الأجهزة الأمنية والتي من المفترض أن «تقدم معلومات بأسماء تلك العناصر المطلوبة أمنياً»، وأكّد أن «الأجهزة الأمنية لم تقدم أي معلومات عن تلك العناصر»، مشيراً إلى أنه «تم الإبلاغ عن عدد من المساجين الذين فرّوا من السجن المركزي، وآخرين من الذين كان قد تم الإبلاغ عنهم للمركز الرئيسي للمصلحة منذ العام 2012، وتم القبض عليهم».

التعليقات