لا تزال معاناة عمال الصرف الصحي في أبين مستمرة نتيجة التهميش وانتهاك الحقوق لسنوات طويلة، من قبل الإدارات المتعاقبة، وهي التي حرمتهم من أبسط حقوقهم المتمثلة في التوظيف وعدم صرف مستحقاتهم من علاوات غذاء، وخطورة عمل، وتأمين صحي، ووسائل السلامة الصحية. أغلب العمّال متعاقدين منذ أكثر من 20 عاماً، ونتيجة لهذه الانتهاكات مات مَن مات من العمال متأثراً بمرضه، لأنه لم يجد من يعالجه، ومنهم من اختنق بالغازات السامة أثناء عمله في المجاري وغرف التفتيش، وفارق الحياة وهو متفانٍ في عمله.
هذه بعض الآلام والمعاناة الإنسانية، لطبقة عاملة جرّدتها الحكومات والسلطات المحلية والإدارات من أبسط حقوقها، وينظرون إليها كوسائل أو معدات جامدة، صالحة للاستخدام عند الحاجة فقط، وتغييرها أو استبدالها متى مرضت من دون أدنى رحمة أو إنسانية، من دون أن يتكفل أحد حتى بعلاجها، كرد جميل لسنوات الخدمة السابقة.
ما يثير الألم والحزن الشديدين، وفاة 2 من عمال الصرف الصحي بعدما اختنقا بالغازات السامة، ليتم بعدها «تكريم» أسرتيهما بإيقاف راتبهما، كونهما متعاقدين. 


معاناة متعاقبة
يقول عادل فتيني، أحد عمال الصرف الصحي لـ«العربي»: «أول معاناة لنا هي الراتب الذي لا يساوي شيئاَ مقابل جهودنا وأعمالنا الخطرة في غرف التفتيش والمجاري، المليئة بالغازات السامة والخطرة، وقد تعرضنا وتعرض أكثر من عامل لحالة اختناق وكادوا يقارقون الحياة، لولا ستر الله ولطفه»، ويضيف «كل هذه المخاطر مقابل راتب تعاقدي لا يتجاوز 18 ألف ريال خاضعة للضريبة، ولا نعرف علاوات ومستحقات أخرى إلا من الإدارة الحالية التي صرفت لنا رواتبنا بانتظام».
ويشكر «المدير الحالي سالم صالح عباد، على جهوده الطيبة في توفير حقوقنا من خلال متابعته للمجلس المحلي خلال الفترة الماضية»، مضيفاً «حالياً لا نستلم غير الراتب البسيط، لا توجد علاوة خطورة ولا علاوة تغذية ولا علاوة علاج، حتى التوظيف حرومنا منه».
ويتابع فتيني «لي 25 سنة أخدم بالأجر اليومي متعاقداً، أليس هذا ظلماً؟» مناشداً «المحافظ بتوفير وسائل السلامة المهنية والنظر في حقوقنا في ما يخص الوظيفة والعلوات».
.
بدوره، يقول أنيس أحمد، أحد العمال المتعاقدين، لـ«العربي»: «أفنيت سنوات طويلة من عمري في العمل، من دون تقدير من الإدارات السابقة حتى بوظيفة، على الرغم من خدمة 22 عاماً قضيتها متعاقداً في إدارة الصرف الصحي بأبين، وكل حقوقي منتهكة».
ويلفت إلى أنه لو حدث له مكروه فإنه لن يجد من يعيل أسرته بهذا التعاقد، مضيفاً «حتى وسائل العمل غير متوفرة، وأغلبها نشتريها من السوق، وبعضها نعملها نحن بطريقتنا وخبرتنا، مثل توصيل الأنابيب مع بعضها البعض لتصل إلى الأعماق».
تابع «وعدتنا الإدارة بمعدات جديدة، سيوفرها لنا الصندوق الاجتماعي للتنمية، لكنها لم تصل لنا إلى الآن»، شاكراً في الأخير «الإدارة الحالية ومديرها المهندس سالم صالح عباد»، وبرر «المشكلة بأن إدارتنا من دون ميزانية تشغيلية، ومعتمدة على الدعم المقدّم من السلطة والمجلس المحلي».
من جانبه، يقول العامل إبراهيم علي معصلي: «في إحدى المرات، أثناء عملي في المجاري وغرف التفتيش، تعرّضت للغازات السّامة وأغمي عليَّ وتم إسعافي للمستشفى، وبقدرة الله نجوت، برغم أن زملائي قالوا لي فقدنا الأمل في أن تعيش»، لافتاً إلى أن «هذا قد حدث لزملاء كثيرين، كل ذلك لعدم توفر أدوات السلامة المهنية من كمامات واسطوانات أكسجين وغيرها من المعدات الضرورية لعملنا، كما أننا نتعالج على حسابنا الخاص، لهذا نطالب السلطة المحلية بالتوجيه لتوظيفنا واعتماد ميزانية للصرف الصحي، حتى نضمن صرف كل مستحقاتنا بانتظام».
قدر «جهود المدير سالم عباد»، مطالباً «السلطة بكافة حقوقنا وتسويتنا بزملائنا عمال الصرف الصحي في بقية المحافظات وتوظيفنا والاهتمام بنا».


مسؤولية بلا سُلطة
من جهته، أوضح مدير عام «مؤسسة المياه والصرف الصحي»، في أبين، صالح محمد أن «إدارة الصرف الصحي كانت تابعة لمكتب الأشغال العامة والطرق، وتم نقلها إلى مؤسسة المياه، ولا توجد لديها أي ميزانية تشغيلية»، محمّلاً «الإدارات السابقة في مكتب الأشغال والمياه، مسؤولية عدم توظيف عمّال الصرف الصحي».
وقال «نحن استلمنا مؤسسة المياه في ظروف صعبة، في فترة تعرّضت أبين لحرب من قبل القاعدة، ثم الظروف العامة التي مرت بها البلاد، وصولاً إلى حرب 2015 وإلى اليوم والبلاد تعاني الكثير، ونحن نعاني كثيراً في الجانب المالي»، مضيفاً «نعم نحن مؤسسة إيرادية، لكن للأسف المواطن لا يسدد قيمة استهلاك المياه، وهذا أثّر كثيراً علينا كمؤسسة إيرادية، وأدّى إلى عدم انتظام صرف رواتبنا، فكيف سيتم توظيف عمالة جديدة، وكيف سنصرف علاوات لعمال الصرف الصحي، ونحن لا نملك أي موازنة تشغيلية ولا إيرادات».

وتابع «فيما يخص وسائل السلامة المهنية موجودة في المستودع، وسيتم صرفها للعمال»، مستطرداً «حقيقة، عمال الصرف يعانوا كثيراً، ورفعنا مذكرات للسلطة والحكومة، للمطالبة بكافة حقوقهم، ونطالب الحكومة باعتماد ميزانية تشغيلية للصرف الصحي، حتى نستطيع صرف كامل مستحقاتهم بانتظام».
بدوره، طالب مدير إدارة الصرف الصحي في أبين، سالم صالح عباد، السلطة المحلية، بـ«تثبيت المتعاقدين من عمال الصرف الصحي، نظراً لخدمتهم الطويلة في العمل».
وقال «ناشدنا عدّة محافظين تعاقبوا على السلطة في أبين، بأن يوجهوا توجيهات واضحة وصريحة للخدمة المدنية، لتوظيف عمّال الصرف المتعاقدين منذ سنوات طويلة، أما في ما يتعلق برواتبهم وعلاواتهم وحوافزهم فقد طالبنا مراراً وتكراراً الأخ المحافظ ورئيس الوزراء ووزير المياه والبيئة، باعتماد ميزانية لإدارة الصرف الصحي بأبين، وتسوية أوضاع الموظفين أسوة بزملائهم في المحافظات الأخرى، وفي ما يتعلق بمعدات ووسائل العمل والسلامة المهنية، فقد وعدنا الصندوق الاجتماعي للتنمية بتوفيرها ولم يوفرها للأسف».
وأضاف «اتفقنا مع السلطة المحلية، والمدير العام لمؤسسة المياه والصرف الصحي، في أبين، والصندوق الاجتماعي للتنمية، على استكمال إعادة تأهيل مجاري جعار وزنجبار والحصن والدرجاج، لظمآن عدم انسدادها، وهذا يتطلب دعم ومساندة الصندوق لحل المشكلات التي تواجه الصرف الصحي حالياً في أبين».
وتابع «نحن نسير بخطى ثابتة جنباً إلى جنب، مع عمال الصرف الصحي المقهورين والمظلومين والذين يبذلون جهوداً أكثر من طاقاتهم، في ظل غياب البنية التحتية والميزانية التشغيلية الثابتة».

التعليقات