كأنه لا يكفينا عزلةً أن البحر من أمامنا والسعودية من خلفنا!
يمكن أن يكون هذا أكثر التعليقات تهذيباً لدى مشاهدة انفوجرافيك تم تداوله قبل أيام في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، لحركة الطيران المدني ليلاً في منطقة الشرق الأوسط.
بدت اليمن في هذه الصورة بقعة مظلمة وسط عالم يضج بالحياة، وبالحركة الدؤوبة التي لا يمكن بدونها القول بأن الحياة مستمرة. لقد كانت صورة معبرة عن مشهد هزلي فاضح ومؤلم في نفس الوقت، حيث يستمر قلة من القادة الطائشين، في العبث بمصائر أكثر من 25 مليون إنسان. ليس ذلك وحسب، بل
والحكم على هذه الملايين من الأرواح التواقة للحياة، بالعيش وفق شروط القرون الوسطى، وتحمّل ويلات حرب بشروط القرن الواحد والعشرين.
إذا كان بيكاسو أبدع رائعته «الجرنيكا» لتصوير بشاعة الحرب الأهلية الإسبانية، فإن بشاعة الحرب التي تنكّل باليمنيين منذ يقارب الأربع سنوات، يمكن تصويرها ببساطة في إنفوجرافيك لحركة الطيران المدني؛ أسراب من الطائرات المرسومة باللون الأصفر تبدو أكثر كثافة فوق أجواء السعودية والإمارات، في نفس اللحظة التي تمشط فيها طائراتها الحربية أجواء اليمن بحثاً عن نبض حياة لتقصفه. لم تتضمّن الصورة رسماً لطائرات «التحالف» العربي المتربصة فوق أجواء اليمن، وربما كان ذلك ما ينقصها لتكون أصدق تعبيراً عن سخرية القدر؛ كيف تستمر المظاهر الأساسية للحياة في كل بلدان العالم، بما فيها بلدان تشهد حروباً، وكيف تبدو اليمن معزولة ومهملة. بقعة مظلمة وغير مرئية لعين المجتمع الدولي سوى باعتبارها ملاذاً لـ«لإرهاب» وتهديداً لحركة الملاحة البحرية.
واحدة من المفارقات التي تستثيرها هذه الصورة الانفوجرافيكية، هو ذلك الاستجداء المخجل الذي وجهته إدارة شركة الخطوط الجوية اليمنية قبل أشهر، إلى قيادة «التحالف» العربي في عدن، من أجل السماح لطائراتها بالمبيت في مطار عدن. لم نكن نعرف قبل ذلك أن كلفة مبيت الطائرات اليمنية في جيبوتي تصل إلى عشرين ألف دولار في الليلة. ومع ذلك، تركز اهتمام المتابعين على الاستجداء المذل أكثر من كلفة المبيت. أما المفارقة الأقرب التصاقاً بوجع اليمنيين وشعورهم بالغبن المزمن، فتجسدها تلك المشقة البالغة التي بات عليهم تكبدها حين يحتاجون للسفر خارج البلاد، والتي قد تصل إلى فقدان حياتهم في الطريق.
بصرف النظر عن دقة إحصائيات حالات الوفاة الناتجة عن تعذّر أو صعوبة السفر أمام المرضى، لكن المؤكّد أن هناك من يموت كل يوم بسبب إغلاق المطارات اليمنية أو تقييد حركتها في أفضل الأحوال.
قبل أن يقرر التحالف العربي إغلاق مطار صنعاء، كانت الطائرات القادمة إليه أو المغادرة منه، تخضع للتفتيش في مطار بيشة السعودي. رغم أن كثيراً من المسافرين وصفوا حينها ذلك التفتيش بالمذل، إلاّ أن الكثير أيضاً من الحالات المرضية الحرجة كانت تحظى بفرصة لإنقاذ الحياة قبل فوات الأوان. انظروا كيف صار الحديث عن حاجة اليمنيين للسفر مقتصراً على الحالات المرضية التي لا تحتمل مشقة السفر براً للوصول إلى مطاري عدن وسيئون! وكأن السفر لأغراض أخرى كالعمل والدراسة وحضور الفعاليات الدولية... أمر فائض عن حاجة المواطن اليمني. ترى ما الذي يريده أشقاؤنا أكثر من تسويد حياتنا طيلة أربع سنوات؟ أربع سنوات وما زالت اليمن البقعة السوداء الوحيدة على وجه الأرض. هذا الرسم الجوي يبدو أقرب لما تراه عين الله، لكن هذا لم يعد زمن الرجال الذين يلتقطون العبَر.

التعليقات