على هذه الأرض المعزولة والمهملة، يبدأ كل شخص يومه باعتباره اليوم الأخير في حياته. في هذه الأرض المشتعلة بأقذر حرب شهدها تاريخ العرب، يقف الناس في طابور طويل في انتظار أمرين؛ الموت المتربص بهم كل دقيقة، أو معجزة تعيد إليهم المسار الطبيعي للحياة.
نحن عالقون فعلاً في دروب ذات حواف مستعرة لمتاهة بلا مخرج، وكم يلزمنا تكرار أن هذا ليس تعبيراً مجازياً، وأن واقع الحياة في اليمن، مع استمرار الحرب والحصار واستهداف الاقتصاد، يمضي نحو التطابق مع أقصى حدود الخيال. ولو أن أحداً من سكان هذا الجحيم قرأ هذه العبارة لعقب على الفور بأن واقع الحال قد تجاوز حدود الخيال بمراحل.
من كان يتصور أن مواطني دولة ذات سيادة سوف يتعرضون للإبادة والعقاب الجماعي الذي يمس كل سبل حياتهم، لمجرد أن أميراً جديداً قرر بدء حياته السياسية بحرب. لا أسعى لتبرئة أطراف الحرب المحلية وعلى رأسها الحوثيين، لكن ما يتكشف عنه الزمن يشير إلى أن هذه حرب الأمير محمد بن سلمان منذ البداية. حربه التي قال مؤخراً إنه سيحول عبرها الشرق الأوسط إلى نسخة من أوروبا.
«هذه حربي...» هكذا تحدث الأسبوع الماضي، في مؤتمره الاقتصادي «دافوس في الصحراء». تحدث عن اقتصاد قطر القوي وعن النشاط الاستثماري الدؤوب في مصر ورأسمال الكويت وموارد عمان، واعتبر قتل جمال خاشقجي خطأً مأساوياً. لا بدّ أن مشهداً واحداً على الأقل، للضحايا الذين قتلتهم حربه في اليمن، مرّ أمام عينيه وهو يتحدث عن خطأ القتل المأساوي لصحافي عارض سياساته بشدة. لكنه لم يتجرأ على ذكر اليمن، ولا أسعفه تصوره لتحديد أين سيكون موقعها في أوروبا الشرق أوسطية. ما يعرفه أنه يحتاج لخمس سنوات إضافية من الحرب لإزالة الفروق التي تعرقل تشابه الشرق الأوسط مع أوروبا. إنه لا يفكر بمعنى أن يحاكي أوروبا مكانياً ويقتل الإنسان.
في اليمن، ينفق الناس أعمارهم بإسراف لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمّل قسوة الحرب والانهيار الاقتصادي. خلال الشهرين الماضيين، ترددت على مسامعي عشرات المرات الشكوى ذاتها من أن ثقل التبعات المترتبة على الانهيار الأخير للعملة، قد فاق الثقل الذي رمته الحرب على كواهلهم منذ بدايتها.
كل يوم جديد يجلب معه ثقالات جديدة من ارتفاع أسعار السلع الأساسية وانعدامها بشكل مفاجئ، وتفكك الروابط الاجتماعية، والخوف من تسارع هطول الأثقال على الظهور المحدودبة. وحين نطالع تحذيرات الأمم المتحدة، من موت الأطفال كل عشر دقائق، ثم موت الناس كل ثلاث ساعات... يصيبنا الرعب من الحصيلة السنوية للموتى وفقاً لهذه التقديرات؛ وإذا ما أضفنا وفيات الحوادث المرورية والأخطاء الطبية ووفيات كبار السن وضحايا القتل المباشر، سيكون على المقابر أن تستوعب أكثر من مائة ألف شخص كل سنة.
على هذه الوتيرة، فإن حلم الأمير سيكلف نصف مليون يمني حياتهم قبل أن يتحقق، ناهيك عن الكلفة التي على السوريين والليبيين والعراقيين أن يدفعوها، لكي يتمكن الأمير الطموح من نقل بحر المانش إلى جدة!

التعليقات