يتطرق الباحث الكردي دلير فرحان إسماعيل، في كتابه «الكرد في اليمن - دراسة في تاريخهم السياسي والحضاري»، إلى الوجود الكردي في اليمن ابتداء من الحقبة 1173م حتى 1454م، وما صاحب هذه الحقبة من نشاط ثقافي وحضاري وعسكري أسهم في القضاء على القوى السياسية اليمنية التي كانت قد أنشأت دويلات متصارعة هنا وهناك في اليمن، ومن ثم توحيدها تحت قيادة واحدة وجعلت مرجعيتها الأولى هي الدولة الأيوبية.
ويوضح أن ﺍﻟﻜﺮﺩ ﺍﻷيوبيين قد دخلوا ﺍﻟﻴﻤﻦ ﺳﻨﺔ 1173م، ﻋﻠﻰ ﺭﺃﺱ حملة ﻋﺴﻜﺮﻳﺔ، ﺃﺭﺳﻠﻬﺎ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﻥ ﺻﻼﺡ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺑﻦ ﺃﻳﻮﺏ ﺑﻘﻴﺎﺩﺓ ﺃﺧﻴﻪ الملك توراﻧـﺸﺎﻩ، وﺍﺳﺘﻄﺎﻋﻮﺍ ﻣﻦ ﺧﻼلها القضاء ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻟﻠﺪﻭﻳﻼﺕ ﺍﻟﻴﻤﻨﻴﺔ ﻭﺃﻗﺎﻣﻮﺍ ﻓﻴﻬـﺎ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻷﻳﻮﺑﻴﺔ التي ﺣﻜﻤﺖ ﺍﻟﻴﻤﻦ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ 50 عاما، مشيراً إلى ما أنجزوه من توحيد بين اليمن ومصر لأول مرة في تلك الحقبة. فضلا عما حققوه من ﻮﺣـﺪﺓ ﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻟﻠﺒﻼﺩ ظلت حتى بعد حكم الأيوبيين، كما يوضح أن مجموعة من الحكام الأيوبيين حكموا البلاد حكما اتسم بـ«القوة والنهضة والعزم»، وهو ما حقق للسكان قسطاً من الاستقرار، باستثناء بعض الفترات كفترة حكم نواب الملك تورانشاه والملك المعز بن سيف الإسلام، التي شهدت اضطرابات وصراعات انعكست سلباً على البلد والسكان.
كما تطرق الباحث إلى الرصيد الثقافي المادي الذي خلفه الكورد في اليمن، في ظل حكم بني أيوب من قلاع وحصون وأسوار وقصور وبساتين، فضلاً عن الاهتمامات العلمية وبناء المدارس والمساجد والقيام بالإصلاحات المالية والاقتصادية.
كما يؤكد استمرار البقاء الكردي في اليمن بعد زوال الدولة الأيوبية وقيام الدولة الرسولية، واستمراره وإسهامه في الأحدث السياسية والعسكرية وفي شئون الحكم والنهضة الحضارية التي شهدها اليمن في تلك الحقبة.
ويقسم المؤلف كتابه إلى تمهيد وثلاثة فصول، فضلاً عن مقدمة وخاتمة وملاحق، عرَّف التمهيد بجغرافية اليمن والأوضاع السياسية قبل دخول الكرد إليها، محدداً أبرز ملامح تلك الحقبة.
وﺘﻨﺎﻭﻝ ﺍﻟﻔـﺼﻞ ﺍﻷوﻝ، من الكتاب الكرد في عهد الدولة الأيوبية، متطرقاً إلى أسباب دخولهم إلى اليمن، وحكم ملوك الكرد الأيوبيين الذي يبدأ بقدوم الملك تورانشاه وينتهي بوفاة الملك مسعود بن الكامل.
وتم التطرق في الفصل الثاني إلى دور الكرد في عهد الدولة الرسولية ومشاركتهم الأحداث السياسية والعسكرية والثقافية التي قاموا بها وأبرز الشخصيات الكوردية في تلك الحقبة.
أما الفصل الثالث فقد كشف عن إسهامات الكورد الحضارية في اليمن، متناولاً منها النهضة العمرانية والتعليمية والثقافية وكذلك الإصلاحات الإدارية والاقتصادية.
وقد توصل الكتاب إلى نتائج حاول عبرها أن يوضح جملة من النقاط التي كانت مغمورة أو يتم تجاهلها من قبل باحثين في أزمنة متعاقبة، منها: أن السلطان صلاح الدين قصد من وراء إرسال الحملة العسكرية تأمين حدود دولته وتوسيعها، فضلا عن القضاء على الفتن والاضطرابات وتوحيد الأقاليم الإسلامية من أجل تشكيل جبهة موحدة لمقاومة الصليبيين.
 كما أكد أن الأيوبيين لم يكونوا غزاة لليمن بل استطاعوا حكمها من أجل إخماد الفتن والتصدعات التي كانت تشهدها؛ لذلك لم تشهد اليمن من قبلهم أي تخريب أو تدمير أو نشر للرعب والخوف على نحو ما يقوم به الغزاة في العادة، بل إنهم أسهموا حضاريا، بشكل لافت إبان تواجدهم في اليمن وما يزال بعض آثارهم قائما إلى اليوم.
وفي محصلة قراءة الكتاب ندرك أنه طريف في بابه، وهو من المؤلفات التاريخية المهمة التي تدرس ما أغفله التاريخ ولم يهتم به لأسباب متعددة، وقد استطاع فعلياً أن يقدم صورة متكاملة للوجود الكوردي في اليمن إبان الحكم الأيوبي وتقديم مشهد متكامل لوجودهم الحضاري وما أنجزوه في تلك الحقبة.

 

 

التعليقات