كم عدد المهريين الذين قضوا في معارك تحالف الاحتلال تحت لواء العميل «طارق صالح» و«داعش» في الساحل الغربي، كرمى عيون بني زايد، أو تحت لواء «علي محسن وهاشم الأحمر» في الحد الشمالي دفاعاً عن مملكة بني سعود؟
أبداً ما من «مهري» أرخص نفسه للاحتلال وأدواته من إقطاعيي سلطة «7/7» التي اندلع الحراك الجنوبي في 2007 بناظم الثورة عليها باعتبارها المسؤولة عن تقويض مؤسسات الدولة الجنوبية «الاندماجية» وتصفية كوادرها، ليقاتل معظم الحراكيين بمعيتها اليوم ضد ثورة شعبية أطاحت بتلك السلطة في 2014، وأفسحت أفقاً مؤاتياً لحل عادل للقضية الجنوبية!
منذ 1994 وعقب انقضاء الصيف الدامي وانضواء الجنوب قسراً تحت شروط المنتصر، نهجت معظم النخب الاجتماعية سبيلاً مزدوج الوجهة، فأخذت تتعهد لهب الكراهية للوحدة وللشمال بالوقود في السر، وتغالي في ذم الانفصال وامتداح الوحدة في العلن، وتتصالح وتتصافح مع أرذل رجال السلطة، بل وتمدهم بالعون والمشورة على طريق تجريف الجنوب أرضاً وبشراً وإمكانات مادية مكتسبة أو واعدة.
وحدها المهرة كمجتمع كانت خروجاً عقلانياً متزناً على هذا الازدواج في تعاطيها مع واقع ما بعد «حرب 94»، فلم تدخل سرداب النفاق ولا مزاد «الفيد»، ووقفت ما أمكن لها الوقوف في الضوء ضد نشاز الواقع، فأطاحت بأول محافظ نصبته سلطة «7/7» ـ مقبولي الأهدل ـ حين فكر في أن يغمز كرامة أبنائها مستعرضاً عضلات المنتصر...
لم تسجل مدونات الشطط الحراكي لاحقاً تظاهرة المجتمع المهري الجريئة التي أطاحت بـ«الأهدل» في 96 ـ 97م، ضمن الإرهاصات الأولى لمسارها الثوري الجنوبي الذي أرادت له ـ على الأقل كثير من الشخصيات الحراكيةـ أن يكون مسار قطيعة مع التاريخ اليمني واحتراب بين مكونات النسيج الاجتماعي لليمن، لا رفضاً للعسف والجور أياً كان مصدره، وتضافراً للمسحوقين في سبيل تحقيق أشراط حياة كريمة ومساواة إنسانية بناظم المواطنة كقيمة محورية في الوجود الجمعي اليمني الطامح والفاعل.
أعمال الشغب المحفوزة بالكراهية والعنصرية ـ فقط ـ هي ما كان يحظى بقيمة نضالية في ذهنية التوثيق الحراكي، لا سيما حين يفضي ذلك الشغب إلى مصرع عدد من الباعة المتجولين وأصحاب البسطات القادمين من الشمال كدحاً خلف لقمة العيش.
إن هذه الذهنية النازية هي التي أفضت إلى هذا الائتلاف بين غُلاة المطالبين بالانفصال في الجنوب، وجلاوزة سلطة «7/7» في كنف العمالة للاحتلال، وبناظم مطلبي سياسي نشاز ومزدوج الوجهة «وحدوي فيدرالي، وانفصالي قطعي وكامل».
في المقابل، فإن الخروج المهري المبكر على ذهنية النشاز والنفاق هذه، هو ما أفضى بمجتمع المهرة إلى هذه الوقفة البطولية الصلبة في مواجهة «بلدوزرات» تحالف الاحتلال التي هرست أضلاع المحافظات الجنوبية بسلاسة وبلا قدر من الممانعة، وأعطبتها أيادي وبنادق وشاصات رجال المهرة، وبصقت في وجه أصحابها من دون تمييز بين سعودي وإماراتي ويمني جنوبي أو شمالي، في حساب الرفض والمقاومة المهرية لمشروع دهس الكرامة.
واليوم فإن مجتمعات الجنوب المحتل إزاء المفاضلة بين مسارين مفصليين، فإما انتهاج التجربة المهرية والعبور إلى بر الحياة الكريمة الحرة، أو المضي في منزلق تحالف انتقالي وشرعية العمالة والموت في الساحل الغربي، كما تموت الدواب الشائخة وبلا عزاء.

التعليقات