قبل أيام، وصف المدير الإقليمي لـ«اليونسيف» في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خيرت كابالاري، اليمن بأنه صار «جحيماً حيّاً» في الوقت الراهن. «ليس جحيماً فقط، لـ50 أو 60% من أطفال اليمن، بل جحيم حيّ لكل ولد وبنت في هذا البلد»، أضاف المسؤول الأممي.
خلال أربع سنوات من الحرب التي لم تقف عند حدّ العمليات القتالية، أصدرت الأمم المتحدة سلسلة تحذيرات من تفاقم الوضع الإنساني في اليمن. لقد بدأت تحذيراتها من حدوث المجاعة في وقت كان معظم الناس مازالوا قادرين على توفير غذائهم. حينها كانت الحرب تمضي في عامها الثاني والعملة الوطنية تنحدر ببطء نحو هاوية غير مرئية.
أتذكر الآن أني وصفت بعض تلك التحذيرات بخصوص المجاعة، بالمبالغة. كانت الأفكار لا تزال تتغذى على آمال ضئيلة بإمكانية انتعاش روح المزارع اليمني التي تستنفر السواعد إلى الحقول حين يلوح شبح مجاعة في الأفق البعيد. في الواقع، كان لا يزال لدينا بعض الحماس القلق الذي يحاول استنفار همم واهنة لتحرير أفواهنا من مرارة القمح القادم من «حقول الآخرين».
ومع مرور الوقت، صارت التحذيرات الأممية تتجسد في واقع حياة اليمنيين بحيث لم يعد توصيف «أسوأ أزمة إنسانية في العالم» مثيراً للاستغراب. الكثير من الأحداث على امتداد الأربعة الأعوام الماضية، جعلت اليمن تتدرج في مراتب المأساة وصولاً إلى «الجحيم». وقبل أن يتفوّه السيد كابالاري بهذه الكلمة، كان حضورها الكثيف يربكني إلى درجة الخجل من تكرارها في ما أكتب، وهذا ليس سبقاً يدعو للتفاخر بطبيعة الحال. إنه الغبن الذي يقصّر العمر حين ترى الجحيم وآثاره حيثما ذهبت؛ في وجوه الناس الكالحة نتيجة اشتداد الخناق على رقابهم ونتيجة الحزن المستوطن خلف عيون لم تعد تخفي الحيرة والخوف من ذلّ الجوع.

الكثير من الأحداث جعلت اليمن تتدرج في مراتب المأساة وصولاً إلى «الجحيم»


العيش داخل الجحيم يشبه الانحشار بين أنقاض بناية مدمرة تم قطع جميع الطرق المؤدية إليها. أن تعرف بأن ما يفصلك عن الموت هو مسألة وقت. وخلال هذا الوقت، عليك أن تنتظر معجزة. أين ذهبت أفكار مواجهة المجاعة بتفعيل الأراضي الزراعية أو بالاستعانة بطباخين لديهم القدرة على ابتكار وجبات يمكن تسميتها بـ«طعام الحرب» كما فعل طباخو تشرشل أثناء الحرب العالمية الثانية!
من الواضح أنها ذهبت إلى الجحيم، وصرنا نتداول صور الأطفال والبالغين الذين يموتون جراء الجوع والمرض، ثم نتداول تحذيرات المسؤولين الأمميين ونشطاء المنظمات الإنسانية الأوروبية والأمريكية، من أن القادم أسوأ حتى من الجحيم نفسه. نفعل ذلك فيما نقف في طابور الموت الذي يزداد طولاً، ونشعر بالارتياح لكون العالم بات يعرف أننا نعيش في جهنم.
ليس عزاءً أن تواكب الأمم المتحدة تفاقم الوضع الإنساني في اليمن بتوصيفات من قبيل «الجحيم الحيّ». لا قيمة لمبادرة أمريكا بمقترح وقف الحرب في الوقت الذي تشهد البلاد تصعيداً قتالياً هو الأعنف منذ بداية الحرب. ما جدوى أن تصف أنجلينا جولي التجاوب البطيء للمجتمع الدولي مع مأساة اليمنيين بـ«المخزي»؟ وما الذي يعنيه التنديد بفظاعات الحرب إذا كان الجميع يسعى للتكسب من استمرارها؟ لقد تجاوز الوضع في اليمن الدوائر التسع لجحيم دانتي، وصار في الوسط. لكن ما دمتم قد تأكدتم من أنه «جحيماً حياً»، فافعلوا شيئاً، لأن هذا الشعب الكريم لم يقترف خطيئة كبرى تستوجب هذا العقاب.

التعليقات