قال نائب رئيس «المجلس الانتقالي الجنوبي»، الداعية السلفي، الشيخ هاني بن بريك، يوم الثلاثاء الماضي، في مدح ضابط إماراتي رفيع إليه أرجع الفضل وحده بالانتصارات العسكرية في الجنوب والحُــديدة:  «إن جاز لي أن أشبهه برمز تاريخي، فهو خالد بن الوليد هذا العصر الذي لم يهزم، أو عمرو بن العاص قامع الفرس، سلام عليك قائدنا وعلى من معك من الأبطال يحفظكم الله ويرعاكم فأنتم من كتب قصة كسر الفرس في جنوب الجزيرة العربية، قائد تحرير عدن ولحج والعند والآن يقرع أبواب الحديدة».
هذه الإستماتة في إلباس الحرب الدائرة اليوم باليمن، وبالجنوب تحديداً، جلباب الدين ومسوح الطائفية، أمرٌ خطير للغاية، فتصويرها على أنّها دارت بين «الكفار المجوس» وبين مسلمي الجنوب، بحسب بن بريك، وليس على خلفية سياسية وتحررية، ينبغي التوقف حياله بجديّة بعيداً عن التملق والتهيّب أو التستر، تحت مزاعم ركيكة.
التوصيف الذي طلع به الشيخ بن بريك، والى جانب ما فيه من نفاق وتملق سياسي، واستخفاف بقدر ودور القيادات الجنوبية، فإنه ينطوي على خطورة كبيرة على  حاضر الجنوب الذي يعصف بوجهه التطرف والإرهاب، وعلى مستقبل قضيته الوطنية المستهدفة من كل الجهات، فضلاً عن حالة التعايش السلمي والنسيج الاجتماعي الجنوبي ومحيطه.
الى ذلك، يُـعد تصريح بن بريك، مؤشراً سلبياً لصورة مدنية «المجلس الانتقالي» ومشروعه السياسي الذي يحاول الظهور به، كون هذا النهج الطائفي الخطير يسير، من دون أن يُكبح جماحه، على خُــطى الخطاب الذي تشكّل منذ اللحظة الأولى لهذه الحرب وما زال، وبتشجيع صريح من الإعلام السعودي والإماراتي، لمعرفة هذا الإعلام بحساسية الدين والعقيدة باليمن، ولكونه وسيلة سحرية لحشد المقاتلين الى جبهات القتال، على غرار التحشيد لحروب افغانستان وسوريا.
ما قاله الشيخ بن بريك ليس الأول من نوعه، ولا نعتقد أنه سيكون الأخير الذي يصدر عنه وعن غيره من رجال الدين الجنوبيين، إن ظلت حالة السلبية تراوح مكانها عند النخب الجنوبية وعند عامة الشعب، بعيداً عن المصارحة مع هذه الأصوات وإعادتها الى جادّة القضية الجنوبية. لقد حفَــل الخطاب الجنوبي منذ بداية الحرب بهكذا توجّـه ملغوم يؤسس لمستقبل مفخخ بامتياز، من خلال منابر وشخصيات جنوبية دينية عديدة، بعضها محسوب سياسياً على «الحراك الجنوبي» والثورة الجنوبية للأسف، ومنهم بن بريك الذي يشغل نائب رئيس «المجلس الانتقالي الجنوبي». هذه الصفة السياسية التي يقدّم بها نفسه للإقليم وللمجتمع الدولي، تصيب سمعة «الانتقالي» بالصميم، إذ يتخذها كمظلة سياسية شاملة يعلق عليها كثير من الجنوبيين الأمل، بأن يكون واجهتهم السياسية أمام العالم، في غمرة الحديث عن مفاوضات سياسية منتظرة  يتطلع الانتقالي للمشاركة فيها.
ولولا أن الشيخ بن بريك يشغل هذا الموقع، لما كان أحد التفتَ لتصريحاته المثيرة للجدل ومنها التصريح آنف الذِكر، في خضم هذا الكم الهائل من هذه التصريحات التي يعـجُّ بها الخطاب الجنوبي المنفلت مِــنْ عِقاله. فحين يعلو هكذا خطاب، فإنه لا يقدم «المجلس الانتقالي» بصورة مشوهة أمام العالم وحسب، بل يخرج القضية الجنوبية عن سياقها الوطني والسياسي الى منزلق مذهبي مدمّر، يجعل مستقبل الجنوب على المحك. كما أن هذا الخطاب، ونقصد الخطاب الديني الجنوبي برمته وليس فقط ما يصدر عن بريك، سيرسم صورة قاتمة لمستقبل الجنوب أمام العالم في حال طغيانه على الخطاب السياسي المدني للدولة الجنوبية القادمة «المفترضة».
كما أن هكذا خطاب لن يضع «الانتقالي» في دائرة الريبة والتوجس الدولي، باعتبار بن بريك الرجُل الثاني بهذا المجلس، ولكنه سيضع الجنوب بأسره في هذه الدائرة، وسيقوّض من أي انفتاح سياسي دولي تجاه قضيته الوطنية، في بلد هو أصلاً يغرق بهذا فكر تكفيري متوحش، تضخم كثيراً خلال السنوات الأربع الماضية، وأثخن بجراح نازفة، وتم تصنيفه -أي الجنوب واليمن- عموماً كواحدٍ من أخطر معاقل التطرف بالعالم.
إن هذا الجنوب الذي اكتوى بنيران الإرهاب منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً منذ حرب عام 1994 الظالمة، وكان ضحية حين وظّــفتْ قوى تلك الحرب الجماعات الارهابية العائدة لتوها من أفغانستان ضده، وعانى كثيراً من توحشه وتبعاته، حريٌّ به أن يكون بيئة رافضة لهذه الثقافة التدميرية، وهذا الفكر الهدام، وأن يكون أكثر مقاومة لأية محاولات تسعى لإعادة إنتاج هكذا فكر، وبذر بذورها السامة من جديد.

التعليقات