حينما تفكر المرأة بالتمرد على واقع مدجن بفعل القيم التقليدية السائدة، تتوجس كثيراً من ردة فعل قد تكون صادمة وربما عنيفة، لكن الواقع أثبت أنها حينما تصر على ذلك بثبات، فإنها ستُفشِل ردود الفعل السلبية وتنجح في اختراق النسق وتؤسس لذائقة فنية مغايرة، فحديثاً فككت الشاعرة العراقية نازك الملائكة قبضة النسق الشعري الذكوري الذي ظل سائداً لمئات القرون، وأسست لتحول شعري ما يزال يحدث كل يوم، على صعيد الرؤية والأداة.
الشاعرة الشابة صابرين الحسني، تمارس الفعل ذاته في محيط ذكوري يحافظ على كل ما هو طقوسي وذكوري في الشعر على صعيد الشكل، كما يحافظ على النص النسقي ذي الرنة العالية والصوت الزاعق، من دون اهتمام منه بالرؤية والرؤيا والأداة، بل ويدافع بشراسة متخندقاً لإثبات ما نفاه نسق حضاري ممتد، وتجاوزه وأصبح الحديث عنه من باب الحديث عن ذكريات من ماضٍ كان يمثل حدثاً فارقاً بين مستويين سطحي وعميق.
وبين جيل يعبر ويراوح، وجيل يخلق ويتجاوز، تصر على أنها لن تتخلى عن هدفها المتمثل في المضي قدماً صوب المعنى المختلف، من دون التفاتة إلى الشكل الذي يمثل عائقاً دوماً على صعيد الفن، وعلى صعيد الواقع الاجتماعي المحيط بالفن أيضاً.
تمرد وتجاوز
يبدو التمرد أحد أبرز سمات نصوص الحسني، برغم وجود قارئ نمطي تتعدد وجهات نظره، ويصل بعضها إلى حد نفي شعرية هذا النص ونسبته إلى أجناس أخرى كالخاطرة مثلاً أو كالسرد، وهو تجاوب مرتبك يشوبه الخوف من قبله على نسقيته. تقول الحسني في حديث خاص مع «العربي»: «القارئ يتجاوب بخوف وتردد، ويبدو عليه القلق من المفاهيم الرمزية ومدلولاتها في النصوص، لكنه يظل في دهشة من قدرة الشاعر على مزاوجة تلك الألفاظ لتطلعات أوسع ومدركات أكبر، إن القاموس أو المعجم الشعري هو ما يتتبعه الناقد والقارئ الفطن أو ما يعرف بالقارئ النموذجي، وهذه النظرة التراكمية هي التي تميزك عن غيرك، وتصبح المدلولات عبارات مصكوكة يتداولها القراء والمهتمين بالأدب ويجتهدون في تفسيرها، وإن كان في الأمر مشقة، لكني أستمرُ في التمرد حتى على اللغة».
وتضيف «اللغة العربية جميلة ومن يغوص فيها يتلاعب بالألفاظ كالسحر لما تعطيه من أبعاد مكانية وزمانية، ومع هذا يظل القلق من المفهوم القاصر للنص ودحضه من المتلقين دون التطلع إلى الأفق الدلالي».
خرق نسق الشكل
تبدو الحسني، في وجهة نظرها تلك، أكثر وعياً ليس بطبيعة النص الأدبي فقط، أو بنوعية القارئ وحساسية التلقي فحسب، بل بماهية القراءة والكتابة أيضا، وتتمرد على النمط وتكتب قصيدة النثر متجاوزة معضلة الشكل، بين أقران لها يكتبون قصيدة العمود ويدافعون عنها بشراسة، ويصعب التعايش معهم فنياً، كما أنهم يناهضون كل جديد ومغاير.
تؤكد الحسني أن «القصيدة لا تشكل عائقاً، لكن الرؤية الكلية لمفهوم الحداثة وما بعدها هو ما يناهضه الشعراء في عدن على وجه الخصوص، ويعتبرون أنها نصوص سردية وحسب، أو كما يظن بعضهم أنها خواطر متناسين تماماً المدى الطويل الذي توظفه قصيدة النثر من الرمز والعمق الفلسفي وتقنيات أخرى تعجز نقيضتها العمودية على فعله».
وترجع الشاعرة الشابة مسألة الصراع بين قيم الفن الجامدة والتمرد عليها إلى أزمنة التقعيد الأولى وبدايته الذكورية، قائلة «هذا ليس بالشأن الجديد، بل من زمن ابن قتيبة وبالأخص مؤلفه الشعر والشعراء، فهنالك من يقدم المسألة النقدية دوماً للقديم وأحقيته، فحديث اليوم قديم الغد ونحن من هنا يجب أن نؤسس بكل ثبات لمفهوم شعري راقٍ، لتأخذ عنا الأجيال الشاعرة أفقأ واسعا يسمى بقصيدة النثر».
وهي علاوة على ذلك تؤكد أن «المشهد الثقافي في الآونة الأخيرة ذكوري بامتياز، إذ برز دور الرجل متقدماً على المرأة، وإن حاولت الظهور فهو ظهور بخوف قليلاً من شرنقة العادات، لكن يظل المشهد الثقافي ككل راكداً مقارنة بالعاصمة صنعاء».
الحرب وهاجس التمرد
وتشير الحسني، الفائزة بالمركز الأول في الشعر والمركز الثاني على الخاطرة في مهرجان «همسة للإبداع» في القاهرة الشهر المنصرم، إلى أنها كجيلها قد تأثرت بالواقع الراهن وظروف الحرب في البلد: «نعم، بالتأكيد تأثرت وكثيراً، هذا ما جعلني متمردة على الواقع، على فكرة التقليد، وخاصة في الشعر والرغبة في واقع أفضل وكذا التخلص من القيود كلها بالشعر والتعبير عن كل شيء بما يسمى بـ(الباطن المغلف) والخروج على العرف الشعري والواقع الكلي».
إن ما تؤكده الحسني في حديثها مع «العربي»، يعد مقياساً لمدى تمثلها لـ«أدبية الأدب»، ووعيها بهذه الأدبية، كما يؤكد مدى توقها إلى خلق واقع ثقافي مغاير لا يدجن فيه الأدب ولا الأديب، ولا ينحاز إلى كل نص يحمل نبرة شفوية عالية على حساب أدبيته وطرائقها، إنها تبشر بجيل نسوي ثائر ومتمرد يسهم في إعادة ترتيب المشهد ليس الفني فحسب بل والاجتماعي أيضاً.

التعليقات