تركزت التغطيات الخبرية والتحليلية مؤخراً، على تصعيد «التحالف» الذي تقوده السعودية والإمارات لعملياته العسكرية في الحديدة. رغم ذلك، يعتمد الطرفان التكتم فيما يتعلق بالكثير من نتائج المواجهات ذات الكلفة البشرية الباهظة. ومن الطبيعي أن تختلط وتتضارب المعلومات، بشأن معركة عسكرية ما زالت دائرة، لكن السؤال هنا: إلى أين يفترض بهذا التصعيد أن يصل باليمن؟
حسب بعض التحليلات المعتمدة على تصريحات قادة في «التحالف» ومسؤولين دوليين، يأمل «التحالف» الذي تقوده السعودية والإمارات، الضغط على حكومة «الإنقاذ» لتقديم تنازلات جوهرية في الجولة القادمة من المفاوضات. إذا ما توقفنا عند هذا الهدف من المعركة، وهو واقع لا يخجل قادة «التحالف» من إخفائه، فسوف نرى أحد أكبر نماذج العبث بأرواح البشر؛ مجسّم هائل لمهزلة دولية، يدفع اليمنيون ثمنها بدمائهم وغذائهم وكرامتهم، وأكثر من ذلك، فرص تعايشهم بعد الحرب. ملامح هذه المهزلة بدأت تتكشف خلال اليومين الماضيين، حيث أفادت الأنباء بتوقف مفاجئ للعمليات القتالية، فيما وصفت بـ«هدنة غير معلنة».
لم ترشح أية أخبار عن أحداث لافتة في الحديدة خلال توقف القتال عدا زيارة منسقة الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، ليزا جراندي، للحديدة ولقائها بقيادات من السلطة المحلية التابعة لحكومة «الإنقاذ».
قبل عودتها إلى صنعاء، زارت جراندي ميناء الحديدة ومخازن الغذاء، لكنها لم تدل بعد بأي تصريح. وفي حال كان توقف العمليات القتالية في المدينة من أجل إتاحة الفرصة للمسؤولة الأممية لتفقد الكلفة الإنسانية على المدنيين والبنية التحتية للميناء والمؤسسات الحكومية والخاصة، فهناك احتمالية لعودة المواجهات بضراوة. ذلك أن مدة الشهر والنصف المتبقية على الموعد المعلن مبدئياً لجولة المفاوضات المرتقب انعقادها نهاية العام الحالي في السويد، تجعل المواجهات قابلة للتجدد بصورة تدميرية.

يأمل «التحالف» الضغط على حكومة «الإنقاذ» لتقديم تنازلات جوهرية في الجولة القادمة من المفاوضات


بالتزامن مع معركة الحديدة، اشتعلت جبهة قتال أخرى في مديرية دمت التابعة لمحافظة الضالع. فلوقتٍ طويل منذ بداية الحرب، ظلّت دمت أشبه بمنطقة تماس بين قوات «الإنقاذ» وقوات «التحالف». ومع دخولها ضمن جبهات القتال، فإن رقعة الجحيم ماضية في التوسع بصورة متسارعة. ذلك أن مديرية دمت التابعة لمحافظة الضالع وفق التقسيم الإداري لدولة الوحدة، تقع على تخوم محافظتين أخريين: أب وتعز، أو بالأحرى، المناطق الشرقية من تعز التي لا تزال خاضعة لسيطرة «الإنقاذ».
إلى ذلك، تعتبر هذه المناطق من أكبر خطوط التماس على الحدود الشطرية لليمن قبل الوحدة، وسبق أن شهدت أعمالاً قتالية خلال سبعينات القرن الماضي، في ما عرف حينها بحرب المناطق الوسطى. حالياً، هي تعج بآلاف النازحين الذين شردتهم الحرب والانهيار الاقتصادي، من المدن. وفي حال اشتعلت هذه المناطق بالأعمال القتالية، فالله وحده من يعلم إلى أي مدى ستصل الكلفة الإنسانية على المدنيين.
وسواءً تم استخدام معركة الحديدة كوسيلة لتحسين شروط المفاوضات المرتقبة أو تقاسم الطرفان السيطرة على المدينة الساحلية، فإن التأثيرات الكارثية لهذه المعركة لن تقتصر على تشريد أكثر من نصف مليون شخص، وتهديد حياة أربعة عشر مليون آخرين بالموت جوعاً. فبعد أربع سنوات من الاقتتال، والانهيار الاقتصادي المتلاحق، وتضاؤل فرص العيش وفرص السلام، باتت قدرة اليمنيين على تحمّل كارثية استمرار الحرب أقرب إلى الصفر.
لذلك ربما حان الوقت ليدرك اليمنيون، بمن فيهم القادة المتصارعين، أن الذهاب بالحرب أبعد من هذه المرحلة، يعني انفلات بلادهم من أيديهم بصورة نهائية. هذه المرحلة تبدو انعطافة مفصلية في سياق الصراع الدولي، وإذا لم تستغلها الأطراف الفاعلة في الحرب، فمن المحتمل إلى حدّ بعيد أن يؤدي استمرار القتال إلى إفساد قابلة البلاد لإعادة بناء دولة عليها بأي شكل كانت. الآن هو الوقت المناسب للتنازلات الشجاعة، وتجاوز المواجع، بدلاً من المضي في جعل اليمن عجينة أكثر طواعية لتضخيم مجسّم المهزلة الذي صارت عليه أوضاعنا.

التعليقات