ظلت محطة كهرباء الحسوة في محافظة عدن، طيلة العقود الثلاثة الماضية في صدارة المحطات الكهربائية الناجحة في اليمن، وبدا ذلك واضحاً من حيث قدرتها التشغيلية، التي لبت حاجة المستخدمين في محافظات عدن ولحج وأبين، بالإضافة إلى معظم المديريات الشرقية والجنوبية والغربية من محافظة تعز. وعلى الرغم من تزايد ضغط الأحمال عليها، إلا أنها ظلت تلبي حاجة المواطنين في تلك المحافظات، بموجب ضوابط إدارية ومالية واضحة من قبل المؤسسة العامة للكهرباء، ولم تبدأ بالتوقف عن أداء دورها الخدماتي إلا منذ انتهاء الحرب التي شهدتها مدينة عدن، منذ أربع سنوات.
فقد تأزمت مشكلة إعادة تشغيل هذه المحطة، واعادتها الى ما كانت عليه، ومعها محطات الكهرباء الكبيرة في المنصورة وخورمكسر وغيرها، لتحتل صدارة الأزمات التي لا تستجيب لأية حلول حكومية في المناطق الخاضعة لحكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي ظهرت تدخلاته في هذه الاشكالية على هيئة تصريحات في شهر يوليو الماضي، عبرت عن عدم جديته في وضع الحلول والمعالجات السليمة للأزمة، من خلال ما قدمه من ارقام فلكية عن التكاليف الشهرية لتشغيل كهرباء عدن، وأنها تتجاوز ال 90 مليون دولار شهرياً، مشيراً الى أن «الطاقة الانتاجية للمحطات العاملة في عدن لم تعد قادرة على تغطية حاجة المحافظة»، مما استدعى شراء الطاقة بالعملات الصعبة من شركات عالمية. وأكد الرئيس هادي في تصريحاته أن «حكومته تتولى صرف تلك التكاليف شهرياً، لضمان استمرار تدفق التيار الكهربائي في المدينة»، فيما لم يجد المواطنون أي أثر مجد لتلك التصريحات والأرقام.
المقربون
ويرى مراقبون أن «الأرقام الفلكية» التي أعلنها الرئيس هادي، بخصوص تشغيل كهرباء عدن غير منطقية، وأنها تأتي من قبيل مدارة حكومته، والتستر على فشلها الذريع في وضع الحلول المناسبة لهذه المشكلة، ناهيك عن أنها تحمي المنتفعين من تلك الأموال، خاصة المقربين منه. وتحدث المهندس خالد السقاف، الى «العربي» قائلاً: «ناقشنا أنا وزملائي المهندسين في مؤسسة الكهرباء تصريحات الرئيس هادي، المتعلقة بالنفقات التشغيلية لكهرباء عدن، ولم نجد انها صادقة على الاطلاق، فمحطات عدن لا تصل حاجتها الى أكثر من 500 ألف لتر من الوقود للتشغيل يومياً، فيما نجد أن المعلن عنه من قبل شركة النفط ان ما يضخ لكهرباء الحسوة لوحدها مليوني لتر يومياً»
ويؤكد المهندس السقاف أن «ما يعلن عنه، لا يعني وصوله بالتأكيد الى خزانات محطة الحسوة، لأن هذه الكمية ستفيض عن الطاقة الاستيعابية لخزانات المحطة، بعد مرور 10 أيام أو 15 يوما، بحكم زيادة هذه الرقم عن السعة الحقيقية للخزانات، والذي يعني أن الفائض يجب الاحتفاظ به في المحطة». وأضاف المهندس السقاف، «للعربي»، أنه «من الطبيعي أن تعلن شركة النفط أنها توفر هذه الكمية يوميًا، لأنه لم يعد خافيا على أحد، أن فارق تلك الكمية المهولة تذهب لصالح شركة عرب جلف المعنية دون غيرها بتوفير الوقود لمحطات كهرباء عدن، وهي الشركة المملوكة للشيخ أحمد العيسي المقرب من الرئيس هادي، وشريكه الفعلي فيها جلال، نجل الرئيس هادي نفسه». ويكشف المهندس السقاف، أن «النصيب الأوفر من مئات الملايين من الدولارات التي صرح بها هادي تذهب إلى ملاك هذه الشركة ومعاونيهم الكبار في الحكومة والرئاسة».
ويتابع: «أما تكاليف التشغيل الأخرى، فأعتقد أنها تكاليف زهيدة جدا، فقطع الغيار مثلا متوفرة، والشركات المصنعة توفرها، حسب العقود معها منذ سنوات، ولا تعني شيئاً، مقارنة بالوقود».
الأطراف
من ناحية أخرى، يرى متابعون أن أزمة كهرباء عدن، لا علاقة لها بتكاليف التشغيل التي أعلنها هادي مؤخراً، ولا بزيادة الأحمال على محطات التوليد، وانما المشكلة اساساً متعلقة بالأطراف التي وجدت من كهرباء عدن ملعباً سياسياً لممارسة الضغوط ضد بعضها من هذا المدخل. وتمثل الحكومة أحد هذه الأطراف، كما يمثل «الانتقالي الجنوبي» طرفا رئيسياً ثانياً، وتمثل أيدي حزب «الإصلاح» في الحكومة طرفاً ثالثاً، ومازال دوره مشوب بالدهاء والغموض، كما تمثل قيادات «التحالف» في عدن طرفاً جوهرياً في إدارة هذه الأزمة.
وتحدث إلى «العربي»، الدكتور أحمد عبد الرحمن، الباحث في جامعة عدن، قائلاً إن «أزمة الكهرباء في عدن مصنوعة بأيدي أطراف سياسية فاعلة على مستوى الساحة الجنوبية، وفي مقدمتها مدينة عدن، إذ لم يعد خافياً على أحد أن الحكومة بوضعها النفعي تريد البقاء في الخارج، كون اعضائها يستلمون رواتبهم بالعملات الصعبة»
ويرى الدكتور عبد الرحمن أن «حكومة الرئيس هادي تستخدم شماعة الانتقالي الجنوبي وسيطرته الفعلية على معظم مؤسسات الدولة في عدن، كسبب لعرقلة ما تردده من حلول لأزمة الكهرباء وغيرها من الخدمات، فيما الانتقالي الجنوبي يجد في استمرار أزمة الكهرباء أنه يحقق نجاحاً في استقطاب الجنوبيين الى صفه، والوقوف في وجه الحكومة».
 وأشار الدكتور عبد الرحمن، إلى أن «دور حزب التجمع اليمني للإصلاح في هذه قوي ومؤثر في هذه المشكلة، كونه يريد أن يؤكد أن وضع مختلف مؤسسات الدولة سيظل غير مجد، طالما هو مستبعد من قيادتها، وهو ما يفسر صمت وزير الكهرباء التبع للحزب ومساعديه عن كل ما يحدث لكهرباء عدن، وكأنها لا تعنيهم، ولا تمثل أولويات اهتمام وزارتهم».
وانتهى الدكتور عبد الرحمن الى التحذير من مخاطر اللعبة السياسية التي يقوم بها التحالف، وإدارته لأزمة الكهرباء في محافظة عدن، قائلاً إن «هذه الأزمة يديرها التحالف، وكان بمقدوره وضع حل لها، وهو قادر على ذلك، خاصة أنه هو المتحكم بمختلف الأطراف الظاهرة في الصراع السياسي بعدن، وهو قادر على ايقاف عبثهم بالمنشآت والأموال العامة، إلا أنه من المؤكد لا يريد ذلك».
 شراكة التحالف
من الواضح أن أزمة كهرباء في عدن تجاوزت بفسادها طاولة حكومة هادي، وانتقلت إلى الشراكة بالفساد من قبل «التحالف»، خاصة بعد الإعلان منذ قرابة شهرين عن المنحة السعودية، بتوفير الوقود لمدة عام كامل لكل المحطات في عدن، الأمر الذي سيقطع الطريق أمام تخمة فساد الشركات المتعهدة باستيراد الوقود، إلا أن هذه المنحة لم يتم الوفاء بها، حتى اليوم؛ وفي التصريحات الأخيرة للسفير السعودي محمد أل جابر، حول اعادة الإعمار في اليمن، وتعرضه إلى ملف كهرباء عدن، قال أل جابر  إن «التكلفة السنوية للوقود تتجاوز ال 700 مليون دولار»، لتأتي هذه التصريحات وتؤكد على حقيقة ما يتم الاعداد له من شراكة في الفساد من قبل التحالف وحكومة هادي،كون هذا الرقم مبالغاً فيه.
ويذهب كلام السفير السعودي الى تأكيد التصريحات التضليلية السابقة للرئيس هادي، مما أثار مواقف غاضبة، تجاه أهداف ممثلي التحالف في عدن، ومدى شراكتهم في الفساد والنهب باسم اليمنيين، وبدا ذلك واضحا في شبكات التواصل الاجتماعي لشخصيات سياسية واجتماعية بارزة.
وفي هذا الاتجاه تحدث الى «العربي»، الناشط السياسي والحقوقي عصام بامرحول، مشيراً الى أن تصريحات السفير أل جابر، تؤكد أن «التحالف استطاع تبني شخصيات سلبية وفاسدة في السلطة والمعارضة اليمنية الممولة منه، ليتمكن من تنفيذ مختلف مخططاته في اليمن، ولتكن ايضا  شريكته الفاعلة في تجيير كل ما يتعلق بإعادة الإعمار نحو مصالحهم الشخصية مستقبلاً».

التعليقات