لا تزال الناشطة سلوى حمود تتذكر أول صاروخ ألقته إحدى طائرات «التحالف» على جبل عطان في 25 مارس 2015، تحت مسمى عملية «عاصفة الحزم». تسرد سلوى تفاصيل الدهشة والرعب الذي عاشت كل تفاصيله في حديثها إلى «العربي»، قائلة: «كانت لحظات رعب لم أشهد مثلها في حياتي أبداً، شظايا تتطاير في الهواء، نار تشتعل في أرجاء المكان، صراخ الأطفال والنساء والرجال أيضاً، كانت قيامة مصغرة فعلاً».تضيف «وما أن استقرت الشظايا على الأرض وهدأت الأرواح المذعورة قليلاً، حتى عاود الطيران القصف، قرابة ربع ساعة، وبشكل هستيري، تسمرت أقدامنا في أسفل الدرج، لم نكن ننتظر حينها سوى الموت»، تتابع «هدأ القصف بعدها مرة أخرى لم يكن أمامنا حينها سوى مغادرة المكان، نحو شارع المتوكل ومنه إلى الزبيري».
هذا المشهد المرعب بكل تفاصيله، وبعدما تمكنت سلوى من الفرار إلى مكان آمن، تؤكد أنها «تقبلته تحت مبرر أن طيران التحالف سيغير المعادلة ويقضي على الحوثيين»، لكنها سرعان ما غيرت رأيها بعدما «ظلت تتنقل أكثر من مرة وإلى أكثر من مكان في العاصمة صنعاء، للبحث عن مكان آمن بعيداً عن قصف الطيران، من دون جدوى».
تشير إلى أنها «فرت وعائلتها إلى مدينة تعز، وإلى مديرية المظفر تحديداً، لكن طيران التحالف كان باستقبالهم بعد أسبوع واحد من وصولهم، وعلى بعد أمتار نسف وبأكثر من 3 صواريخ قلعة القاهرة». وبصوت تلفه الحسرة والندامة تؤكد أن «التحالف للأسف لم يكن كما توقعنا أنه سيكون المنقذ، بل أثبت ومن خلال تلك الغارات الخاطئة التي تستهدف المدنيين والمباني الأثرية، والطرق والجسور، إنه عدو أشد فتكاً باليمن واليمنيين من أعدائها المحليين».
4 أعوام من عمر الحرب في اليمن، دمر طيران «التحالف»، الكثير من المواقع الأثرية والمعالم التاريخية التي صمدت ألاف السنين، لكنها لم تصمد أمام «عاصفة الحزم».
وفي هذا السياق، أصدرت منظمة «مواطنة لحقوق الإنسان» تقريرها السنوي لعام 2018، والذي حمل عنوان «تجريف التاريخ»، عرضت فيه معلومات تفصيلية عن تورط «التحالف العربي» والجماعات الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي ومعها حركة «أنصار الله»، بالإضافة إلى مجموعات إرهابية، في تدمير ممنهج للمعالم التاريخية اليمنية، منذ اندلاع الحرب العام 2015.
وتناول تقرير «تجريف التاريخ» والذي بلغ عدد صفحاته 89 صفحة، انتهاكات أطراف النزاع للممتلكات التاريخية في اليمن، مستنداً على الاستقصاء الميداني الذي باشرته «مواطنة» منذ عام 2014 وحتى العام 2018.
ويعرض التقرير 28 واقعة انتهاك، من بين 34 واقعة وثقتها «مواطنة»، عن تعرض المعالم الأثرية والدينية لأنواع مختلفة من الاعتداءات والانتهاكات المباشرة وغير المباشرة.
ففي تعز، وثقت «المنظمة» قيام مجموعة متطرفة تنشط في مناطق موالية لحكومة هادي، بتدمير معلم «قبة السودي»، و«قبة الرميمة»، وهما معلمان دينيان كانا مقصداً لليمنيين لإحياء المناسبات الدينية، بينما خرّبت حركة «أنصار الله» معبد الهندوس، وكنيسة سانت جوزيف في عدن، وحطموا التماثيل.
وذكر شهود لـ«مواطنة»، أنه بعد مغادرة «أنصار الله» لكنيسة سانت جوزيف، استولى عليها تنظيم «القاعدة» فأشعلوا النار في المبنى، وتكرر السيناريو نفسه في كنيسة «شيلدن» في محافظة عدن.
كما وثقت «مواطنة»، تدمير 15 موقعاً أثرياً في مدينة براقش التاريخية والبوابة الشمالية في قصف لطيران «التحالف» بقيادة السعودية والإمارات.
ومن بين ما وثقته «مواطنة»، يوميات النزاع المسلح في عدن، الذي أسفر عن نسف أجزاء من المتحف الوطني للآثار، وتدمير طيران «التحالف» مواقع تاريخية في مدينة صنعاء، كحصن كوكبان، وجامع الهادي في مدينة صعدة القديمة، والمتحف الحربي في عدن.
وأكدت «مواطنة»، أن «غارات قوات التحالف العربي طالت أيضاً حارة القاسمي وحارة الفليحي في مدينة صنعاء القديمة (تضم المدينة بساتين قديمة جداً وبيوت أثرية)؛ وفي الغارات التي استهدفت الحارتين سقط مدنيين. وبحسب المنظمة اليمنية «كانت الحارتان خاليتان من أي تواجد عسكري لحظة قصفهما».
وأشارت «مواطنة» في تقريرها الذي أصدرته كمقدمة للتقرير إلى أنه «في الوقت الذي كانت مواطنة تضع اللمسات الأخيرة على هذا التقرير، كان مسلحون سلفيون تدعمهم الإمارات العربية المتحدة يهدمون بجرافة مسجداً أثرياً عمره 1200 سنة في منطقة الفازة بمديرية التحيتا في محافظة الحديدة، بحجة أن به ضريح يزوره الناس».
ولم تقف آلة الدمار لـ«عاصفة الحزم» عند حدود قتل المدنيين، واستهداف البنية التحتية والاقتصادية والاجتماعية للبلد فحسب، بل تعدتها إلى محاولات تدمير الهوية التاريخية والثقافية اليمنية، من خلال نسف المعالم التاريخية الضاربة في جذور التاريخ.
الكاتب والصحافي أنس القاضي، يؤكد في حديث لـ«العربي»، أن «استهداف الآثار اليمنية في الوقت الراهن، هو أمر لاحق لعمليات تجريف ثقافية مستمرة منذ عقود، تمت بطريقة غير مُباشرة وبوتيرة أبطأ، وما تمارسه السعودية والإمارات اليوم من جرائم بحق حضارة الشعب اليمني الإنسانية يكشف عن حقد هذه الكيانات الطارئة تجاه الوجود اليمني الحضاري بذاته، لا معاداة لحركة وجماعة وسلطة مُعنية في الجمهورية اليمنية».
وأوضح القاضي، أن «هذا الاستهداف المنهج، وبالشكل الحاد تجلى إلى درجة التناقض الإجتماعي، ما بين الحواضر المتمدنة والبداوة الصحراوية، ولطالما كانت الحواضر اليمنية القديمة عُرضة لغزوات العشائر البدوية القادمة من شمال الجزيرة العربية، والمُتغير اليوم في هذا التناقض الحضاري هوَ أن هذه العشائر البدوية أصبحت تمتلك التقنية الحديثة ذات القدرة العالية على التدمير».
ويشير إلى أن «هذا التدمير الممنهج يتعلق أيضاً بعملية التخريب الثقافي ذات البعد الديني والمذهبي، الذي يهدف إلى محو الآثار الإسلامية اليمنية السابقة لظهور مذهب الدولة السعودية وركيزتها الأيديلوجية، وذلك من أجل إحداث عملية تغيير ثقافية في اليمن تجعل كُل مُعتنق لهذا المذهب منزوع الوطنية في نهاية المطاف سعودي التوجه والولاء، ليقاتل مع السعودية وحلفائها الغربيين في المنطقة والإقليم وحتى في الوطن».

التعليقات