تؤوي المملكة السعودية، رئيساً مخلوعاً يفترض أنه مطلوب شعبياً في «تونس الثورة» للمحاكمة، غير أن ولي عهد المملكة المثخن بجرائم حرب لا عداد لها ينزل ضيفاً حميماً اليوم على السلطة التي تحكم تونس باسم الثورة، وكنظام بديل لنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي!
بالعودة إلى يناير 2011 التي تمخضت خلالها الانتفاضة الثورية التونسية فوضعت هذا الهجين المؤلف من «إخوان وحرس قديم»، على سدة تونس، يمكننا فرز ضفتين في مشهد تلك الانتفاضة: ضفة ثورية منبثقة من آمال وآلام الشعب ويتبنى رموزها رؤية لتونس مفتوحة على أفق اتصال فاعل وجدلي مع المحيطين العربي والإسلامي وقضايا الأمة العادلة والمركزية، وفي قلبها قضية فلسطين المغتصبة وشعبها الشريف المناضل والموقف المبدئي المناهض للكيان الصهيوني. في مقابل ذلك، ضفة أخرى انتهازية متسلقة موصولة بدور غربي مضاد للثورة، وتعمل بمحددات منبثقة من كواليس السفارات الأوروبية وأمريكا، وتستهدف في خلاصتها تجيير الفعل الثوري من داخله وتحويل مجراه ومخرجاته ليصب مجدداً في مسار الوصاية الغربية بأطواق ومسميات «ديكورية» مغايرة لسابقاتها..
على هذه الضفة الانتهازية من المشهد الثوري التونسي، نهضت مملكة بني سعود بدور مباشر تجلت أبرز محطاته في الرحلة الجوية الشهيرة التي أقلت بن علي بمعية الأمير محمد بن نايف، وعلى متن طائرة سعودية، إلى محبسه الأخير خارج الحكم والبلد.

على الضفة الانتهازية نهضت السعودية في تونس

هذه النقلة الدراماتيكية في مجريات 2011 في تونس، فقست البيوض المرجوة منها غربياً، فأعدمت أفق المخاض الثوري بـ«هرب بن علي» الذي جرى تسويقه بكثافة كانتصار للثورة في قصوى غاياتها، وكان البديل الغربي جاهزاً لشغل الشاغر الرئاسي المحدود والإبقاء على بنية النظام وجملة علاقاته «الكولونيالية» وغير الثورية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.
بالتوازي مع ذلك، جرت تصفية رموز الضفة الثورية الأصيلة والطالعة من آمال وآلام الشعب التونسي، تباعاً، محمد البراهمي، وشكري بلعيد.. وغيرهم، وعوضاً عن أن يتخلق فضاء ثوري يصل تونس بقضايا أمتها المركزية وبالقضايا الإنسانية العادلة عموماً، باتت تونس «معول هدم إخواني» يسهم بفاعلية، في رفد مشروع تقويض الوجود العربي بـ«التكفيريين ومجاهدات النكاح»، وبقي البون الطبقي الداخلي بين مسحوقي تونس وهم الأغلبية، وبين مترفيها وهم القلة المسيطرة، قائماً ويتسع، بفارق، إن آلة الإعلام الكوني القطبية لم يعد يخدمها توثيق المزيد من نظائر «بوعزيزي» المحتجين على غراره وسط جحيم الفاقة والقهر المتفاقم.
«الجبهة الشعبية» بقيادة الرفيق، حمة الهمامي، و«اتحاد الشغل التونسي» الذي أخفقت حركة «النهضة» في تجييره، يمثلان حجر التوازن لفعل ثوري لم يمت بعد، ولايزال واعداً بالمزيد من الهزات والزلازل التي تقض على سرَّاق الأحلام نومهم وتحرر الوجود التونسي الحي، من أكبال العلاقات «الكولونيالية» الهاربة من حقيقة موتها عبر محاولة إماتة النزوع الثوري الشعبي التحرري.
ربما لا تصطدم زيارة «السفَّاح» بن سلمان إلى تونس بعوائق تجهض برنامجها الزمني الوجيز، لكن السلطة المضيفة ستكون أكثر من ذي قبل عرضة لضربات أعاصير السخط الشعبي وواعدة بضربة قاضية وشيكة.

التعليقات