من أجل استعادة مكانة عدن الثقافية وريادتها الإبداعية تأسس نادي «السرد» في عدن، في ٢٧ أكتوبر 2015، وها هو يدخل عامه الرابع على الرغم من العثرات وغياب الدعم اللازم لنشاطاته التي يؤديها بمصادر ذاتية بسيطة جدًا، لكن تكمن خلفها إرادة قوية، وسيستمر إلى ما شاء الله في تأدية رسالته الثقافية. هو كيان أدبي مستقل بكل ما لهذه الكلمة من معان، أبوابه مشرعة لجميع الكتاب والنقاد والشباب المبدعين والباحثين على وجه الخصوص. ليس في عدن وحدها وإنما وبما تمثله عدن من امتداد في الجغرافيا والتاريخ والثقافة. إنه ناد للجميع بمختلف ممارستهم للكتابة الإبداعية وتوجهاتهم الفكرية..
وقد جاءت لحظة إعلان التأسيس قبل نحو ثلاث سنوات حافلة بالحضور الشغوف إلى ولادة إطار ثقافي إبداعي في هذه المدينة الممتدة جغرافيتها الثقافية باتجاه كل الجنوب الذي يعاني كتابه ومبدعوه من تهميش السلطات والمؤسسات الثقافية، وبدرجة أكبر من تهميش الذات لإمكاناتها الخلاقة والركون إلى حالة غير مبررة من الغياب والاستلاب. ولذلك ينبغي أن تتضافر كل الجهود من أجل استعادة ذلك الألق الثلاثيني لمدينة عدن في القرن الماضي، حين كانت النوادي الأدبية والثقافية تحفها من كل الجهات، ومن أجل استعادة الأدب ـوالسرد منه في القلبـ من غياهب التهميش والإقصاء التي فرضتها السنوات العجاف الطويلة التي مر بها الإبداع والمبدعون في عدن، من أجل ذلك، جاء تأسيس هذا النادي استجابة واقعية من تحت ركام الحرب ودخانها ورائحة البارود في أكتوبر 2015، ليعيد للأدب السردي اعتباره.
وقد كان النادي مجرد فكرة تم تداولها في قسم اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب، جامعة عدن منذ أعوام، ثم تردد صدى الاستجابة لها عند آخرين من خارج الحقل الأكاديمي، من قبل كتّاب السرد ومحبيه في عدن، وها هي اليوم بعد ثلاث سنوات من العطاء والعديد الفعاليات قد ألقت حجرًا في ركود المشهد الأدبي في عدن، لم تزل دوائره تنداح حتى اليوم في محافل عديدة، ليخرج ذلك الحلم إلى حيز الوجود، وإلى ما هو أبعد من أسوار الجامعة، وليصبح نادي السرد ـوقتئذـ هدية الكتّاب والمبدعين والباحثين لمدينتهم التي منحتهم لذة الانتصار. وقد كان فعل الإبداع في تلك الظروف غير الاعتيادية مقاومة، وهي مقاومة تغييب الذات نفسها قبل مقاومتها ظروف التهميش والتغييب الذي مارسه الآخرون.
إن نادي «السرد» ليس للقصة أو الرواية فحسب، وإنما ينفتح على الأشكال السردية وأنماطها المتعددة، انفتاح مفهوم السرد نفسه على الأنواع الأدبية والمرويات كافة: القصة، الرواية، السيرة والكتابة الذاتية، المسرحية، القصيد السردي، الحكاية الشعبية، الأمثال، يتجاوز الحدود النوعية التقليدية، ويتجاوز حدود النص الأدبي إلى سرديات الثقافة والحقول المتعددة، ويهدف إلى تشجيع الشباب الباحثين على ممارسة النقد وارتياد آفاقه، وتبادل الأفكار والنقاشات المثمرة، والانفتاح كذلك نحو حداثة النص والكتابة العابرة للأنواع والتجريب، ويسعى في أثناء ذلك إلى تأصيل الوعي بأهمية الكتابة الإبداعية، وأطرافها الثلاثة: الكاتب، النص، والقارئ، وتقديم قراءات ورؤى متعددة للنصوص.

يحاول نادي «السرد» في عدن استعادة الأدب إلى قاعة النقاش والندوة، واستعادة حياتنا الثقافية من ثرثرة مقابل تعاطي القات التي اجتاحت المشهد الثقافي وحاصرته في مجموعات مغلقة على نفسها، إلى محافل المتلقين والجمهور باتجاهاتهم وفئاتهم المتعددة. وهناك مجموعة من الغايات التي فرضتها شروط الواقع المحلي ومشكلاته، والتي استدعت مبادرة تأسيس هذا النادي السردي في عدن، ولعلّ أهم ما يمكن أن نصوغ من أهداف النادي:
ـ استعادة المكانة الثقافية والريادة الإبداعية لمدينة عدن التي عاش كتابها ومبدعوها سنوات من أشكال التهميش وأساليبه القاسية.
ـ قراءة النص السردي وإبراز قيمه الجمالية، وتنشيط الحياة الإبداعية وتشجيع المبدعين.
ـ التعريف بالإبداع السردي في عدن ومحيطها الثقافي والتاريخي، ولفت الأنظار إلى كتابات الشباب والكتابة الجديدة.
ـ إضاءة التاريخ الأدبي السردي للكتابات اليمنية، مع التركيز على الكتابات الجنوبية، وتكريم أعلامه بدراسة أعمالهم.
ـ قراءة النصوص المحلية والعربية، والتعريف بالتجارب السردية العربية، ومواكبة أشكال الإبداع الأصيل.
ـ توجيه النقد والدراسات الأدبية نحو الكتابات السردية الجديدة، ورعاية شباب الباحثين، وتشكيل الحلقات البحثية المتخصصة.
ـ عقد الحلقات النقاشية والملتقيات والندوات الأدبية والمؤتمرات.
ـ المساهمة في نشر الإبداعات السردية والدراسات النقدية.
ـ إصدار مجلة تعنى بالنص السردي، وأخبار الأدب وقضايا الإبداع السردي وشؤونه.
ـ عقد صلات مثمرة مع أندية القصة والسرد على المستويين المحلي والعربي، وتبادل الخبرات والتفاعل المثمر مع مختلف النشاطات الثقافية، من أجل التعريف بأدبنا السردي المحلي.
قليل من هذه الأهداف قد تحقق، ويتحقق بعضها الآن في أثناء عمل النادي، وأخرى سوف تتحقق إن شاء الله في قادم الأيام، متى ما توفرت الإمكانيات المادية اللازمة لتحقيقها، والإرادة الحقيقية من قبل الداعمين المحتملين التي تعي أهمية الاستثمار في مجال الثقافة والفكر.
إن الآمال عريضة من وراء تأسيس هذا النادي الذي يمثل كيانًا أدبيًا مستقلًا في ظل مناخات تتجاذبها مختلف الصراعات والتقاطعات السياسية التي كانت عبر تاريخنا الحديث سبب السقطة الكبرى والنكوص العظيم عن فضاء الحرية والتقدم وانتشار الإبداع وازدهاره. ولإنجاز هذه الغايات والأهداف لا بد أولًا من اشتراك المبدعين والباحثين وعشاق السرد ومحبيه في دعم استمرار عمل النادي وتجربته الرائدة، بعيدًا عن أية اسقاطات أو انحيازات إلا الانحياز لفكرة الأدب وأصالة الإبداع العابرة ضيق أفق الأيديولوجيات والمناطقية وأشكال الهيمنة، ونبذ متخلف أساليب الوصاية والتوظيف السياسي. أمّا ثانيًا فلابد من إسهام مختلف الجهات المحلية والعربية في دعم نشاط النادي، الذي يؤدي وظيفته وينفذ بعض برامجه بصورة ذاتية محدودة للغاية، ولم يتلق حتى اليوم أية مساعدة مالية من أية جهة، حكومية كانت أو أهلية، محلية أو عربية، مادية أو عينية، فلا شيء غير الإرادة في العمل والطموح النبيل اللذان يدفعان النادي نحو الاستمرار. وبناء عليه يرحب النادي بكل المساعدات المالية والدعم الفاعل، وتمويل برامجه ونشاطاته بما يخدم رسالته ولا يتعارض مع القانون.
«السرد» حياة، وأن تحكي يعني أن تحاول مقاومة الجمود والفناء. يقول رولان بارت أشهر منظري السرد: «لكي نعرف أنفسنا علينا أن نمارس السرد، رواة أو مستمعين». وقد مخضتنا الأحداث، قديمها وحديثها، في هذه المدينة التي تحفل ذاكرتها بالكثير مما يمكن أن يُحكى، أو أن نثبته بالكتابة. وقد بات لكل واحد منا قصة ما، يتطلع أن يرويها ذات يوم أو يستمع إليها في سرود الآخرين. أما عدن فهي مدينة الحكايات، تمارس لذة الإصغاء إلى البحر وهو يحمل إليها كل يوم حكايات العابرين، وتسند ظهرها إلى جبل شمسان ترنو إلى حركة الزمان في تجدده المستمر. مدينة كانت وستبقى نافذة نحو فضاءات الجمال والإبداع، راوية ومروية في سيرة الألم والقهر والتحرر من الاستبداد، ولكي نعرفها ينبغي أن نصغي جيدًا لسردها، فلديها الكثير مما يمكن أن تبوح به حتى تدرك إشراقة ذلك الصباح، ولن تكف عن الكلام المباح.

التعليقات