في الثلاثين من نوفمبر أُعلنَ استقلال الجنوب. كان الاستقلال عيداً قومياً عظيماً. فحرب التحرير، في الرابع عشر من أكتوبر عام 1963، كانت امتداداً «للثورة السبتمبرية» 1962عام.
كانت الثورتان اليمنيتان: سبتمبر، وأكتوبر مدعومتين من الزعيم العربي جمال عبد الناصر، وجيش «ثورة 23 يوليو 1952». وكان الاستقلال بطرد آخر جندي بريطاني من عدن عيداً، ورداً قومياً بامتياز على هزيمة عام 1967.
بنيل الاستقلال انتصر الجنوب قبل انتصار ثورة سبتمبر في صنعاء، التي كانت القوى الملكية، والمرتزقة الأجانب، مدعومين من الرجعية السعودية والأمريكان، تتأهب للانقضاض عليها، وإسقاطها.
كان الاستقلال الذي قادته «الجبهة القومية» داعماً قوياً للصمود الأسطوري للجيش والأمن والمقاومة الشعبية الوليدة في صنعاء، التي تكونت من مختلف الاتجاهات السياسية والفئات والشرائح الاجتماعية المختلفة.
تحالفَ الجيش والأمن والمقاومة الشعبية ضد المليشيات الملكية، وبعد مضي سبعين يوماً من الحصار المطبق تمكنت المقاومة من تحقيق الانتصار، ودحر فلول الملكيين والمرتزقة الأجانب.
استقلال الجنوب في الـ30 من نوفمبر، وانكسار الحصار على أبواب صنعاء وضع اليمن أمام مسار جديد، وفتح نافذة أمل للقوى القومية العربية بعد هزيمة 67. فأهم إنجاز حققه الاستقلال هو الخلاص من الاستعمار، وتوحيد اثنتين وعشرين سلطنة ومشيخة، وبروز الاتجاه القومي المنادي بالوحدة العربية.
«كعب أخيل» في تجربة أداة الاستقلال بقيادة «الجبهة القومية» هو غياب الأفق الديمقراطي، وسيطرة العقلية الشمولية وحب التفرد، وعدم التسامح والتعايش والقبول بالآخر، وعدم قراءة الواقع وروح العصر واستيعاب حقيقة الوضع يمنياً وعربياً. فالقيادة الجديدة الثورية لم تكن مدركة للكمائن والصعوبات الواقعية الموضوعية والألغام الاستعمارية التي زرعتها بريطانيا.
تشاركت الأطراف القومية واليسارية في تأجيج الصراع: «حركة القوميين العرب»، و«الناصريون»، و«البعث»، إضافةً إلى تنامي الخلافات بين مصر عبد الناصر وبعث سوريا، ونقل الإرث الوبيل للاتحاد السوفيتي، والتأثر بحركات التحرر الوطني في العديد من البلدان التي تقدس العنف، وتحتكر القوة، وتُعَوِّل بشكل مطلق على السلاح، وهو ما حصل في الجنوب.
قبيل فجر الاستقلال كان هناك اتجاهان داخل الجنوب وفي اليمن كلها: الاتجاه الأول يمثله حزب «الشعب الاشتراكي» الذي يضم المؤتمر العمالي، واتجاهات سياسية قومية بعثية، وزعامات سياسية بارزة، وقد كان له حضور قوي في الشارع العدني والحياة العامة آنذاك. هذه القيادات السياسية أو بعضها راهنت على وعد بريطانيا بمنح الاستقلال، ولكن الوعود البريطانية شابها التلكؤ؛ ما خلق تصدعاً في صفوف المراهنين على منح الاستقلال. الاتجاه الثاني يتمثل في النقابات الست ذات الثقل الكبير، و«حركة القوميين العرب» والتي شكلت مع فصائل ومجاميع عدة، «الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني»، وقد كان «الناصريون» أحد أبرز عناوينها.

القيادة الثورية لم تكن مدركة للكمائن والصعوبات الواقعية


تبنت «الجبهة القومية» الكفاح، ورفضت الوعود البريطانية التي تقدم بها «حزب العمال» بمنح الاستقلال. السعودية أيدت بريطانيا، أما الموقف القومي العربي، فـ«البعث» وقف إلى جانب حزب «الشعب الاشتراكي» الذي يضم قادة بعثيين بدؤوا في تشكيل جبهة التحرير والتنظيم الشعبي مع ناصريين إثر خيبة الأمل في وعود الاستقلال المراوغة.
كانت «العربية المتحدة»، ومنذ البدء، السند القوي للكفاح المسلح. وعقب خطاب الزعيم العربي جمال عبد الناصر في تعز عام 1964 وُضِعَت خطة صلاح الدين، وأصبحت تعز مركزاً رئيساً لتدريب وتشجيع المقاتلين من «الجبهة القومية»، وفيما بعد من الجبهتين المتنافستين: القومية، والتحرير.
الرؤية القومية للوحدة من قبل مصر، وبالأخص من مراكز القوى، فرضت ما سُمِّى حينها بالدمج القسري في 13 يناير 1966، ولكن الجبهة القومية رفضت الدمج، واستمرت في الكفاح المسلح منفردة- وإن تعثر قليلاً-، وجرى فض الاندماج بعد عام، واستمر دور مصر الكبير في دعم الاستقلال.
إن جذوة الصراع كانت مشتعلة واشتركت فيها كل الأطراف، وإن كانت قيادة الجبهة القومية، قيادة الاستقلال، تتحمل مسؤولية الصراع الدامي الذي بدأ بإقصاء «جبهة التحرير»، ثم انتقل إلى صفوف الجبهة القومية: اليمين، واليسار، وصولاً إلى كارثة الـ 13 يناير 1986.
انتقاد الصراع في تجربة الاستقلال لا يقلل من أهمية الكفاح الوطني الذي خاضه الشعب اليمني في الجنوب؛ فقد ارتبط الكفاح المسلح بالوحدة، وكان لمصر عبد الناصر الدور العظيم في دعم الثورتين اليمنيتين: سبتمبر، وأكتوبر بالمال والرجال والسلاح.
أما العيد الثاني فهو بيان الثلاثين من نوفمبر عام 1989. فقد صدر البيان في عدن بين قيادتي الشطرين في هذا اليوم، وحدد البيان الـ 22 من مايو عام 1990 يوماً لتحقيق الوحدة اليمنية، وإقرار التعددية السياسية والحزبية والفكرية، وكفالة حرية الرأي والتعبير (الحريات الصحفية)، والحق في تأسيس الأحزاب والجمعيات والنقابات وإصدار الصحف، ورفع الرقابة المسبقة واللاحقة عليها، وهو ما تجسد لاحقاً في دستور دولة الوحدة وقانون الصحافة.  
نقد التجربة الثورية في الجنوب مهم؛ لأنه يفتح أعيننا على جوانب الضعف، ويحصن الأجيال القادمة من اجترار تلك الأخطاء، كما إن فيه إنصافاً لجيل التضحية والفداء من المناضلين.
الصراع الذي شهدته اليمن إبان الثورتين، سبتمبر وأكتوبر، وإن كان يمنياً وأطرافه يمنيون أيضاً، إلا أنه كان غير معزول عن الصراع القومي في البلاد العربية، وأسلوب تبادل الأخطاء، الفعل ورد الفعل، وهو صراع قد يجد تبريره في طبيعة مرحلة حركات التحرر وإرادة الاستقلال، إلا أن الانزلاق للعنف والاحتراب ولغة التخوين والإقصاء لا يمكن تبريره، وقد أدت تلك الأخطاء والجرائم إضافةً إلى عوامل أخرى إلى الوضع الكارثي الذي تعيشه اليمن اليوم.

 

التعليقات