اليمنيون يتنفّسون الصعداء، رغم أن أيديهم مازالت على قلوبهم. 
على عكس ما اعتادوا فعله منذ فشل مفاوضات الكويت في 2016، لم يقمعوا توقهم للسلام هذه المرة. هناك مسحة تفاؤل في أحاديث الناس بإمكانية توصّل أطراف النزاع، خلال مشاورات السويد، إلى اتفاق يوقف الحرب. حتى أن بعضهم يدعو الله أن يوفق جريفيث في مساعي جلب السلام إلى حياتهم من جديد.
على الأرجح، هناك سببان وراء هذا التفاؤل الشعبي بمشاورات السويد؛ فالتحضيرات لانعقادها تزامنت مع تعافي الريال اليمني بنسبة تقارب 50% مقارنة بمستوى الانهيار الذي كان وصل إليه خلال الأربعة أشهر الماضية. أما السبب الآخر، فيتمثل في التسهيلات التي وافق عليها «التحالف العربي» لنقل جرحى «الحوثيين» للعلاج خارج اليمن، وتحريك ملف الأسرى والمعتقلين من الجانبين. 
إضافة لذلك، تبدو تحركات المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن جريفيث، أكثر تنظيماً ومثابرة، وأقل ضجيجاً. حتى أنه كان حذراً في تصريحاته لدرجة نفي أي تسريبات بشأن تحديد موعد بدء المشاورات. وبحذر مضاعف، اختصرت إجابته على اشتراطات أطراف النزاع، حرصه على أن يجمعهم على الطاولة أولاً: «كل المقترحات سوف تتم مناقشتها في السويد».
من الواضح أن بريطانيا تمارس ضغطاً على السعودية والإمارات للتهدئة وعدم وضع أية عراقيل أمام نجاح مشاورات السويد. وقد كثفت المملكة المتحدة ضغوطها من أجل هذا «النجاح»، سيّما بعد المقترح الأمريكي بتأجيل مناقشة مشروع القرار الذي تقدمت به لمجلس الأمن، إلى ما بعد المشاورات. غير أن كل هذا الضغط لا يساعد على توقع سقف النتائج التي تسعى بريطانيا للحصول عليها من جولة المشاورات الجديدة.

جميع الأطراف مستعدة لاستئناف العمليات القتالية وخطابها الإعلامي لم يتخفف بما يكفي لدفع مفاوضات التسوية إلى الأمام


رغم التحذيرات الدولية والأممية من فشل مشاورات السويد، لا تبدو الأطراف اليمنية آبهة بذلك. فهي مستعدة لاستئناف العمليات القتالية، وخطابها الإعلامي لم يتخفف بما يكفي لدفع مفاوضات التسوية إلى الأمام. وإلى ذلك، لديها مخزونها اللازم من السلاح المتدفق عبر القنوات الخلفية للدبلوماسية الدولية والإقليمية؛ صفقات الأسلحة. جميع المتشاورين ورعاتهم الدوليين لا يعرفون كيف تسحب إخفاقاتهم بريق الأمل من عيون اليمنيين الذين لم يعودوا قادرين على احتمال جولة أخرى من الحرب. هم لا ينظرون مباشرة في وجوه الملايين الذين أفقرتهم الحرب وأذلهم العوز. وليس بمقدور صورة فوتوغرافية أو تسجيل فيديو للهياكل العظمية للأطفال، أن تظهر الأثر الغائر في نفوس اليمنيين جراء استمرار المواجهات المدمرة. 
مع كل حديث عن تفاقم الوضع الإنساني الكارثي في اليمن، درجنا على وصف ذلك باعتباره اختباراً أخلاقياً لضمير المجتمع الدولي. في الواقع، هو قبل ذلك، اختبار أخلاقي ووطني لضمائر الأطراف المحلية التي تتعامل مع الحرب بأدمغة متصلبة. لا أحد يكترث لما تؤول إليه إخفاقات جهود التسوية مرة بعد أخرى. ورغم إدراك الأطراف اليمنية لحجم الاستثمارات الضخمة لأطراف الصراع الدولي في حرب اليمن، إلا أنها تواصل السير بخطى حثيثة نحو أعمق نقطة في الجحيم. لقد صارت اليمن الآن على مقربة من هذا العمق الجهنمي. وبالتالي، يتوجب على المتشاورين أن يقدموا ما يكفي من التنازلات الجريئة. كما يتوجب على رعاة المفاوضات الدفع بها باتجاه وقف العمليات القتالية قبل كل شيء، ووقف تدفق السلاح، والكف عن استخدام الاقتصاد مرة أخرى، كوسيلة ضغط باتجاه التسوية.
فعلياً، ربما وصل اليمنيون إلى مرحلة من الاقتتال لم يعودوا قادرين عندها على الاستمرار في المتاريس والمنافي. إرهاقهم بدا ملموساً للمدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي، ديفيد بيزلي. قال بيزلي إنه لمس من جميع الأطراف ما وصفه بـ«الإرهاق العقلي والروحي والجسدي بسبب هذه الحرب»، غير أن الأهم هو ما سيلمسه جريفيث أثناء المفاوضات.

 

التعليقات