يحكى عن جحا أن أصحاباً له مازحوه مرة وهو مقبل عليهم راكباً حماره الشهير، فقالوا له: «عرفنا حمارك وما عرفناك»، فأجابهم ببديهته وطرافته المعهودة: «الحمير تعرف بعضها»؛ أتذكر هذه النادرة أو الطرفة وأنا أراقب اختيارات أعراب «التحالف» للحكام الموالين لهم في حضرموت، فهم لا يكادون يختارون مسؤولاً كبيراً ولا صغيراً إلا من أعراب المنطقة وقبائلها البدوية، معرضة تماماً عن أي شرائح درجت على التمدن ورسخت فيه، وكأنها لا تعرفهم، أو لا تثق فيهم، ومن ثم أتى رجال الصف الأول بحضرموت في هذه المرحلة العجفاء من قبائل البادية أو من مناطقها، ولا سيما المنطقة الشرقية منها، وهو ما صار حديث الشارع بحضرموت وموضوع لتندرهم وتذمرهم على سواء.
ويحكي التاريخ القريب أن من النواحي التي أثرت سلباً في حياة الحضرمي، اضطرابات البدو المتكررة التي أدت إلى فقدان الأمن في جهات مختلفة من حضرموت، مع عجز الحكومة المحلية عن فرض هيبتها؛ وقال المؤرخ محمد عبد القادر بامطرف، واصفاً تلك الحالة معرجاً على أسبابها: «كانت حوادث الاغتيال والاقتتال والنهب والسلب بين بعض القبائل أمراً عادياً، لا تعيره الحكومة اهتماماً... وفي مقدمة أسباب عدم استتباب الأمن، الجهل المنتشر في ربوع البادية، وعدم الاستقرار، والفقر، والتقاليد البدوية التي لم تستطع محاولات الحكومة تهذيبها نظراً لأوضاع اجتماعية خاصة».
ورفض بامطرف إرجاع سبب إخلاف الأمن إلى عادة حمل السلاح (البندقية) عند البدو، وقال في ذلك: «لا يكفي أن يقال إن البندقية في يد البدوي هي سبب تعكير الأمن، إن البندقية تصبح شيئاً لا خوف منه إذا اختفت الأسباب التي تجعل البدوي يلجأ إليها لانتزاع حقه المسلوب، أو لسلامة شرفه، أو لتوطيد عادة مرعية في البادية شعر أنها تعرضت للهدم أو التلاعب».

لا يكفي أن يقال إن البندقية في يد البدوي هي سبب تعكير الأمن


ولا يميل بامطرف إلى إلقاء اللوم في ذلك التعكير الأمني على «البدوي» وحده؛ إذ يرى أن الأخير كان معرضاً للإهمال من قبل الدولة، وهو لا يلجأ إلى الاستكانة والخنوع، بل يثير الشغب إذا أحس بأي ضرر قد يقع عليه؛ ويقول بامطرف في ذلك: «البدوي في حضرموت لم يتخلص بعد من فرديته، وله عذره في هذا؛ لأنه يشعر أنه غريب على الوسط الحضرمي ويشعر، حقاً أو باطلاً، أنه كمية مهملة لا يعيرها المسؤلون اهتماماً كبيراً، إلا إذا جعل من نفسه عاملاً من عوامل تعكير الأمن في البلاد، وشعور البدوي هذا يدفع به أحياناً إلى اليأس من الحكومة، ويرتكب أفعالاً يضر بها نفسه، كما يلحق الضرر بإخوته الآخرين من الحضر والبادية».
وبامطرف يحسن الظن بهذا البدوي الذي يشعر بالقهر، ولا يراه محباً للشر والضرر بطبعه، بل يضطر اضطراراً إلى العنف بعد اليأس التام من أن يلتفت المعنيون لهمومه ومشاكله، فيقول: «البدوي الحضرمي، كما عرفناه، لا يلجأ إلى الشر إلا بعد أن تكون قد سدت أمامه سبل الإنصاف، أو أن الحكومة تصرفت إزاءه بأسلوب جعلته يشعر أنه محتقر لا قيمة له في نظرها».
هذا في الأمس القريب، أما في يوم الناس هذا، فإن هناك طفرة أصابت فئة البدو في حضرموت أشبه ما نكون بالطفرة الفجائية التي أصابت أعراب الخليج، فإذا بهم هم الحكام، وأصحاب الحضور الأوفر في المؤسسات العسكرية على الخصوص، وهم أرباب رؤوس الأموال الطائلة، رجال الصرف والترف، وتراجعت سائر الفئات، ولم يعد لها سوى الفتات، وأصبحت على هامش الحياة تقتات.
وانعكس ذلك بالضرورة على مختلف مظاهر الحياة وحركة المجتمع في مدن كبيرة، نخص بالذكر منها مدينة المكلا عاصمة المحافظة، والتي ساءت حالتها الجمالية وبيئتها الصحية، بصورة يلحظها الزائر، مع اضطرابات متكررة لعمال النظافة وعمال المجاري، وهم الذين تستخف بقيمتهم السلطة الأعرابية، فاستحالت المدينة كأنها قطعة من بيئة الريف بغبار طينه الرطبة، وروائح مواشيه السائبة، ووفرة دوابه الطائرة والزاحفة، وهو ما يأنفه ويغضب له ابن المدينة المغلوب على أمره، لكن يألفه ويطرب له البدوي الحاكم بأمره، حتى وصل بالحالة المزرية إلى استقدام خبراء في نظافة المدن وتحسينها من عاصمة الوادي مدينة سيئون؛ لتدارك الوضع في نظيرتها المكلا.
والبركة في حكم الأعراب الناتج عن المعرفة الحصرية لذوات العقال، وهي الشبيهة بمعرفة ذوات اللجام.

التعليقات