لا يغني الوصف عمّا اختزله مشهد الدمار المهول الذي طال كل شيء في هذه القرية المنيفة الشامخة رغم انكسار الزمن، والتي تنام على هضبة ترابية فوق تاريخ زاخر لم يعكس نفسه على إصلاح حال هذه البلدة الطيبة والطيب أهلها، إذْ لا يفي الوصف الموضوعي في هذا التقرير، عن جور النكران والحرمان الذي طالها لتضيف له آلة الحرب أعباءً مضاعفة كلّت منها الأكتاف السُمر النحيلة.
يعيش أهالي منطقة هجر كحلان بمحافظة شبوة، آلام النزوح القسري عن بلدتهم التاريخية التي طال بيوتها الدمار إثر الحرب التي شهدتها المدينة بين مسلحي «أنصار الله» وقوات الرئيس عبد ربه منصور هادي، على الرغم من مرور عام على تحريرها من قبضة الحوثيين نهاية العام الماضي.
تأريخ مدمر
وما تزال منازل أهالي منطقة الهجر، التي جاءت تسميتها نسبة إلى هجر كحلان التاريخية التي كانت تعرف قديما باسم «تمنى» عاصمة دولة قتبان، وشهدت زيارات عديدة لأكبر بعثات التنقيب العالمية وأشهرهم  ويندل فيليبس، شاهدة على حجم الدمار الذي طالها جراء أعنف المواجهات التي شهدتها المنطقة، وربما الوطن برمّته، على مدى أكثر من ثلاث سنوات، وتسببت في نزوح نحو 200 أسرة، بحسب سكان محليون (يتراوح متوسط عدد الأسر في المنطقة من7 - 12 نسمة)، وإلحاق أضرار كلية وجزئية بالمنازل والممتلكات العامة والخاصة والآبار والمدارس والمزارع، إضافة للمواقع الأثرية التي تزخر بها المنطقة باعتبارها منطقة تاريخية.


مأساة السنين
صالح أحمد دوّام، عاقل قرية الهجر والشخصية المثقفة فيها، تحدث بلغة علتها الحسرة، وقال «تم تهجيرنا قسراً من قريتنا، وتركنا خلفنا كل ما نملك داخل منازلنا جرّاء الحرب الغاشمة وتفرّقنا أشتاتًا في أصقاع الوطن نفترش الأرض، ونلتحف السماء طوال فترة الحرب لسنتين ونصف حتى تم التحرير».
وأضاف دوّام، خلال حديثه لـ«العربي» أنه «عند عودتنا للقرية في ثاني يوم لتحريرها، تفاجأنا بما لم يكن في الحسبان، حيث صدمنا من هول الدمار الذي طال كل شيء».
واستطرد «أظلمت الدنيا في عيون الناس وبات مستقبلهم مجهولاً حيث لا منازل ولا مدرسة ولا مياه ولا كهرباء ولا خدمات عامة أو حتى اتصالات ولا مكان صالح للعيش».
وعن ردّة فعلهم عمّا وجدوه، قال إنه «في خضم هذه المعاناة المريرة جاءنا خبر وصول خيام متنقلة مع لوازمها من مركز الملك سلمان للنازحين، وذلك ثالث يوم بعد التحرير، واستبشرنا خيرًا، ولكن للأسف اكتفت لجان التوزيع بتخصيص خيمة واحدة فقط لكل منزل، مع العلم أن أقل منزل يحوي ما لا يقل عن ثلاث أسر».
وتابع «تم توزيع باقي الخيام بحسب الولاءات الحزبية والمناطقة فيما المواطنون الذين تعرضت منازلهم للدمار، لم يتحصل رب كل أسرة إلا على خيمة صغيرة واحدة فقط لا تكفي أن تكون حتى مجلساً للأسرة، فكيف بالنوم والطبخ وغيره؟».
ومضى قائلاً «كأنه لا يكفينا ما لاقيناه جراء هذه الحرب، لنضطر لتقديم احتجاج لدى السلطة المحلية على هذا التقسيم الظالم، ولكن لا حياة لمن تنادي، وكأن هذه السلطة والحكومة مصابة بالصمم التام لا تسمع إلا ما تريد».


إحصائيات
العاقل دوّام أكد أن الدمار الذي طال منازل المواطنين التي بني معظمها بناءً تقليدياً من الطين (يعمل جلّ أهالي منطقة الهجر والمناطق المحيطة بها في الزراعة والحرف والمهن البسيطة فيما بعض الشباب والرجال خارج الوطن ويعيلون أسرهم من بلاد الاغتراب) تنوّعت أضرارها ما بين كلي وجزئي.
وأوضح أن «9 منازل تعرضت للتدمير الكلي، و8 منازل للتدمير الجزئي، فيما ألحقت الأضرار بنحو 50% من إجمالي عدد المنازل المتضررة الأخرى»، وأضاف «تصدّعات بليغة تهدد خطر ساكنيها وهو ما يحتم على السلطات سرعة إنقاذ ساكنيها وتحمل المسؤولية القانونية لأي مكروه قد يتعرضون له في أي لحظة».
لا حياة لمن تنادي
وكشف دوّام عن جملة من المناشدات التي وجهها أهالي قرية الهجر للحكومة «الشرعية» بكافة مستوياتها منذ التحرير، عبر التواصل المباشر وكذا الصحافة ومنصات التواصل الاجتماعي.
وأوضح أن ه«ذه المناشدات تمت بواسطة مسؤولي المديرية مباشرة لنقلها سلطات الدولة العليا للنظر في حال منطقة هجر كحلان وما تعانيه جراء الحرب الغاشمة من دمار كبير، ولكن لم نلتمس أي إجابة أو تفاعل نظرًا للإهمال الكبير الذي تقابل به طلباتنا واتصالاتنا وتجاهلهم لمأساة إنسانية تعاني منها عشرات الأسر».
وأشار إلى أن «عددًا من الأهالي اضطر آسفًا مجبرًا لترميم ما يمكن ترميمه في منازل شبه مدمرة لأجل العودة الى القرية بجهود شخصية خالصة وتكاليف مادية باهظة يقتطعونها من قوت أولادهم وهو حلم باقي الأهالي، غير أن الأغلب منهم لا يقدر على تحمل تكاليف الإعمار في ظل وضع صعب يعيشونه، ولهذا فقد تحمّلوا آلام التهجير والشتات محتسبين ربّ العزة جل وعلا».


الاستقلالية السياسية تهمة
ويؤكد عدد من أهالي منطقة الهجر أن حالة التجاهل والإهمال التي تقابل بها مطالبهم من قبل حكومة «الشرعية» ناتجة عن استقلاليتهم، وعدم ارتباطهم بأي تيار سياسي، لافتين إلى أن تعاطي الحكومة «الشرعية» يأتي بناءً على التوجهات الحزبية الضيقة.
ويؤكد عدد من أهالي منطقة الهجر خلال حديثهم لـ«العربي» أنهم لم يلمسوا أي من أنواع التعاون من قبل حكومة «الشرعية» قبالة المأساة الإنسانية التي تهز وجدان كل من ينظر لحالة الناس وهم يتنقلون في ربوع الوطن بحثًا عن مأوى، وفي مقدمتهم أبناء المنطقة الذين تقلدوا مناصب عليا فيها، لكنهم تنكروا لأهالي منطقتهم بشكل مخزٍ ولم يقدموا لهم أبسط الخدمات فيما انشغلوا بترتيب أوضاعهم وأوضاع أبنائهم وذويهم.
مناشدة
وعلى الرغم من المرارة التي حملتها أحاديثهم المحبطة، إلا أن أهالي هجر كحلان جدّدوا مناشداتهم للحكومة «الشرعية» ممثلة بالرئيس عبدربه منصور هادي، ورئيس الوزراء و«التحالف العربي» بقيادة السعودية وكذا دولة الإمارات وكافة المنظمات الدولية والإغاثية والإنسانية والحقوقية، للنظر في حال أبناء قريتهم الذين شرّدتهم الحرب ولم تترك لهم منازلهم البسيطة التي هي كل ما يملكونه في هذه الحياة، وباتوا اليوم مفرّقين في أصقاع الوطن يبحثون عن مأوى يستر شتاتهم الذي يخفونه خلف لغة العزّة والنخوة التي لا مثيل لها... فهل من مجيب؟

التعليقات