كأي حضرمي أصيل قضى الفنان، أبو أصيل أبوبكر سالم بلفقيه، حياته العامرة بين الاقتراب والاغتراب، فهو مغترب ببدنه، مقترب بوجدانه، ذاكرًا لأوطانه، شاديًا لها بألحانه، وفيًا لمواطن هجرته لما أسبغت عليه من نعمها وخيراتها، ومن ثم وسع فؤاده أطيافًا قزحية من الانتماء القومي، توزعت إلى دوائر مكانية عبر عنها في مختاراته الغنائية خلال مسيرته الفنية الطويلة.
الدائرة الأولى- تريم
 حيث إن بلفقيه من مواليد مدينة تريم التي شهدت نشأته الأولى فهو يؤكد انتماءه إليه في أكثر من أغنية، ويحبب إليه غالبًا أن يذكرها بلقبها الذائع الغنّاء، ومن ذلك تغنيه بمفتتح قصيدة بشراك التي هي لشاعر اشترك معه في أهم خاصتين هما أنهما من مواليد تريم، ويحمل اسمه، إنه سميه الشاعر أبو بكر بن شهاب حيث يقول:
بشراك هذا منار الحي أرمقه وهذه دور من تهوى وتعشقه
وهذه الروضة الغناء مهدية   مع النسيم شذا الأحباب تنشفه
ومثل ذلك في أغنيته الأخرى:
ليلة من العمر ليتها ما انقضت 
في تريم المدينة علينا مضت
عند المحبين ذي بعدهم ما اغمضت مقلتي
ولا ذقت لذيذ القوت وشوقي إلى الغنا مدينة حضرموت
ثم أكد انتماءه لتلك المدينة حينما قال في تغيير لشلة الأغنية في وصلتها الأخيرة: ونا من الغنا مدينة حضرموت
الدائرة الثانية- حضرموت:
حضرموت موجودة بقوة في وجدان الفنان بلفقيه، وهو يتمثل أنفاسها الثقافية والروحانية في معظم اختياراته الغنائية المنتسبة لشعراء من حضرموت، ولاسيما الشاعر الغنائي الراحل حسين أبوبكر المحضار، وهو لا يأتي في قصيدة بلفظ البلاد أو الأوطان أو الدار والأهل إلا ويعني بها حضرموت وقاطنيها، وقد تنقل في مختاراته الغنائية بين عدد من كبريات مدنها في واديها وساحلها، نذكر من تلك المدن:
المكلا
ذكر مدينة المكلا في غنائية معروفة له في شلتها التي تقول:
لا تعذبني وإلا
سرت وتركت المكلا
لك إذا ما فيك معروف
وأشار في الأغنية نفسها إلى ضاحيتها السياحية ذات المشهد الجميل والهواء العليل، وهي، خلف، حيث يقول:
طالعتنا خلف بعد العصر والحاسد خلف
والهواء يجري حوالينا يلف الموج لف
والجبل من فوقنا يشهد
وتشهد لي الكهوف
لا تعذبني وإلا
سرت وتركت المكلا
لك إذا ما فيك معروف
الشحر
ورد ذكر مدينة الشحر في غنائية بلفقيه، بأحد ألقابها الشهيرة اختاره لها شاعرها حسين المحضار، وهو لقب سعاد حيث يقول:
في خير أنته ونا
بانلتقي في سعاد
سيوون
وفي وادي حضرموت الفسيح اختار بلفقيه غنائية حضرت فيها سيوون عاصمة الأحقاف، على حسب تعبير ابنها البار الأديب علي أحمد باكثير، وقد تغنى بها بلقبها المعروف (الطويلة)، مشيرًا إلى إحدى أجمل ضواحيها وهي القرن في غنائيته:
ليلة في الطويلة
خير من ألف ليلة
تفضل فضيلة
يا صاحب الموتر تأن
يا القرن يا ليتك تقع لي وطن
القطن
كما ورد اسم مدينة القطن الواقعة في قلب الوادي، مشيرًا إلى أهم قرى ريفها وهي قرية العنين، حيث قال:
قلبي في القطن قاطن
وإن شف شف العنين
لا تنكرونه مواطن
له نخل فيها وطين
يا سارح القطن
سلم لي على القاطنين
الدائرة الثالثة- اليمن
يعتد ابن تريم أبو بكر بلفقيه، بانتمائه لليمن بهويته الطبيعية، حسب ما تلقنه في مدارسها، حيث كان يُدرس لهم في مقرر التاريخ الذي ألفه الأستاذ محمد بن هاشم لمدارس جمعية الأخوة والمعاونة درس عنوانه (حضرموت من اليمن)، ويفخر بما شهدته اليمن بمساحتها الواسعة من حضارات قديمة، ودول عظيمة، وشخصيات كريمة، عددها في غنائيته الشهيرة «أمي اليمن التي شلتها»:
من يشبهك من يا يمن
وفيها يقول:
أنت الحضارة
أنت المنارة
أنت الأصل والفصل والروح والفن
في داخل القلب حبك في فؤادي استبا
من قبل بلقيس وأروى والعظيمة سبا
ثم إنه قد تغنى بعاصمتي اليمن التاريخيتين عدن وصنعاء، وخصهما ببعض روائع أغانيه.
عدن
فعن عدن التي عاش بلفقيه فيها شرخ شبابه يقول:
يا طائرة
طيري على بندر عدن
زاد الهوى زاد النوى
زاد الشجن
ع الهجر مقدرش أنا
أشوف يومي سنة
ذي جنة الدنيا
حواها كل فن
وفي أغنية أخرى يقف على شواطئها الساحرة يناجي ما يرفرف حوله من حماماتها:
في شواطئ عدن
حامت بقربي حمامة
ذوبتني
خلتني أسيرَ ابتسامة
والعجب في دقايق
صادني الحب في الحال
من يحب ما تهمه كلمة القيل والقال
صنعاء
وحضرت مدينة صنعاء في بعض غنائيات بلفقيه الذي حباها ببعض زياراته، ومن ذلك أغنيته ذات اللحن الصنعاني المتميز:
أحبة ربا صنعاء
عجب كيف حالكم
وهل عندكم ما حل بالعاشق المضنى
وهل تذكرونا
مثلما ذِكرنا لكم
وهل تسألون من جا إلى أرضكم عنا
لأنا وحق الله من شوقنا لكم
نسأل نجوم الليل عنكم إذا جنى
الدائرة الرابعة- الجزيرة العربية
عاش بلفقيه معظم حياته متنقلا بين جنوب الجزيرة العربية وشمالها على تعدد دولها، لكن أكثر معلمين في وسط الجزيرة كان يشدانه في غنائياته هما الحرمان الشريفان حيث مهوى أفئدة المسلمين، ونستطيع أن نلمسه في إحدى رشفات أغنيته الروحانية:
إخواننا في المسجد الحرام    منا إليكم أكمل الســـــــــــــــــــــــــــــــــلام
وحــــــــــــــمد رب من بالإنعام    ومن بالتفضيل والأفضــــــــــــــــــــال
وحق ود ثابت قويــــــــــــــــــــــــــــم     بوفــق عهد بالصـــــــــــــــــــــــــفا قديم
قد تم بين الركن والحطيم     على الوفاء في الحال والمآل
 ثم أغنيته التي يخاطب فيها الملك السعودي الذي يقع الحرمان الشريفان تحت حكمه ورعايته:
يا ملكنا يا مليك العرب
يا حامي ديار المسلمين
خادم الكعبة الشريفة
والمدينة حيث سيد المرسلين
خاتمة
ختامًا نسجل أن الفنان، بلفقيه، قد اندمج عنده الانتماء القومي اندماجًا عاطفيًا بمشاعر مشبوبة من الغزل تارة، والحنين تارة أخرى، متجنبًا ضجيج الشعارات ومكشوف العبارات، وهي حالة مألوفة لم يكن بلفقيه ببدع فيها فثمة أمم مزجت تغنيها بأوطانها بتباريح وجدانها، وفيوضات أشجانها، ومن ذلك الأغنية الوطنية الذائعة الصيت في الأمة الروسية، أغنية كاتيوشا، التي تحكي عن فتاة قروية تنتظر حبيبها المحارب، ومن كلماتها:
على حافة النهر بدأت كاتيوشا تغني
عن النسر الرمادي الشامخ في السهول
وعن الذي تحبه كاتيوشا من كل قلبها
وتصون رسائله إليها
أيتها الأغنية الساطعة عن الصبية العذراء
طيري إلى حدود الشمس
طيري مثل طائر
إلى الجندي البعيد عند الحدود
من كاتيوشا بلغي السلام
لعله يفكر بالعذراء القروية

التعليقات