لم يمر الكثير من الوقت على البيان الذي أصدره «المجلس الانتقالي الجنوبي» الذي يترأسه محافظ عدن المقال عيدروس الزبيدي، رداً على إطاحته من مشاورات السويد، يعلن فيه تمسكه بأحقية التمثيل الشرعي للقضية الجنوبية، متجاهلاً بقية الأطراف الجنوبية الأخرى، حتى نسف القيادي البارز في «الإنتقالي» أحمد عمر بن فريد، تلك النقطة، معترفاً بوجود فصائل جنوبية أخرى، أبرزها حزب «الرابطة» و«مجلس الحراك الثوري» بقيادة حسن باعوم، والتي أعلنت موقفها من مشاورات السويد، والتي لطالما أنكر «الإنتقالي» أحقيتها في تمثيل القضية الجنوبية في خطاباته الرسمية.
وقال بن فريد، وهو رئيس مكتب «الإنتقالي» في أوروبا، إن «الجنوب اليوم بحاجة ماسة إلى مظلة جنوبية واسعة لقوى الاستقلال، تقف بصوت واحد أمام المجتمع الدولي، وتمثل إرادة شعب الجنوب بشكل حقيقي وهي مسؤولية تقع على الجميع».في إشارة إلى دعوة الفصائل الجنوبية إلى ضرورة توحد الجهود لمواجهة التحديات المستقبلية.
وأضاف أن «شعب الجنوب قدم ولا يزال يقدم أكبر التضحيات وسوف يقف مع من يقف معه بقوة وصلابة ستذهل العالم الذي يستهتر بإرادته، ويرغب في تجاوز حقه المشروع في وطن حر يعيش فيه بكرامة وسيادة كباقي شعوب الأرض، وهو ما يجب أن يفهمه المجتمع الدولي بوضوح».
«اعتراف» بن فريد، يعتبر دليلاً دامغاً على أن «المجلس الانتقالي» ليس المكون الوحيد في المشهد السياسي الجنوبي، الذي يشهد تنافساً بين المكونات على التمثيل منذ انطلاقة الحراك الجنوبي عام 2007م ضد نظام الرئيس علي عبدالله صالح، الذي فرض هيمنته على الجنوب منذ حرب 1994م.
الإعتراف بالحقيقة
رئيس «تجمع القوى المدنية الجنوبية»، عبدالكريم السعدي، أكد لـ«العربي»، أن «الحديث عن قوى التحرير والاستقلال من الصعب تحديد ملامح مصداقيته، فالمجلس الذي يمثله الاستاذ احمد بن فريد، أنا شخصياً كنت أحد صانعيه من خلال تواجدي في اللجنة التنسيقية أولاً، والتي تم الهروب منها إلى الأمام بتشكيل اللجنة الفنية، والتي استمريت أيضاً عضواً فيها، كان الطرح في هذه اللجان واضحاً من قبل عرابي المجلس، وأقدر أحددهم بالإسم، وهم مناضلين لا أحد ينتقص من نضالهم، ولكن للتاريخ فقد عبروا عن أنفسهم حين طرحنا شخصياً أن يكون الهدف في الوثائق التحرير والاستقلال، بقولهم (إن هذا الهدف أتعبنا يا أخي)!»
وأضاف «حينها حاولت أن أوصل فكرة التمسك بهذا الهدف ووضعه على رأس الوثائق، وأتذكر أنني حينها قلت لأحد الأخوة المؤثرين إنه بالإمكان وضع هذا الهدف وإلى جانبه إعطاء مساحة أوسع للقيادة المنتخبة والممثلة، لممارسة فنون الحوار واستخدام ما تراه مناسبا، المهم أن يظل هذا الهدف موجوداً أمام القواعد الشعبية»، مشيراً إلى أن «الحديث عن تصنيف قوى بعينها أنها ترعى التحرير والاستقلال وغيرها، هو حديث لا يقوم على أساس، وهو حديث يستخدم في أكثر حالاته للمزايدة وللتقليل من شان الخصوم السياسيين».
كل القوى تعمل لعودة الجنوب
وعن الشرط الذي ذكره القيادي بن فريد، أوضح السعدي، أن القوى على الساحة الجنوبية تعمل لعودة دولة الجنوب إما بالفيدرالية المزمنة أو بغيرها من الطرق والوسائل، وما يدور في الغرف المغلقة يؤكد الطرح، فهناك قوى جاهرت بمشاريعها وهي تهدف إلى استعادة دولة الجنوب، وهناك قوى تؤمن بأن الطريق إلى استعادة الدولة الجنوبية لن يكون إلا عبر الفيدرالية المزمنة، وهي ترفع شعار التحرير والاستقلال.
وأكد السعدي على ضرورة أن يعي الجنوبيون انه «ممكن أن يكون الاختلاف سياسياً ولكن هذا الاختلاف لا يمنح الحق لطرف أن يلغي حق طرف آخر في المشاركة في الوطن، لأن الوطن هو القاسم المشترك بيننا، والتباين السياسي ممكن تجاوزه بطريقة واحدة فقط، هي الذهاب إلى مؤتمر جنوبي يجمع أبناء الجنوب وفقاً للتمثيل الوطني للمحافظات الجنوبية الست، ووفقاً للمساحة والسكان»، مشيراً إلى أنه «بعد ذلك يترك الخيار لشعب الجنوب يحدد مصيره أينما أراد أن يتجه، يجب احترام إرادته لأن زمن الوصاية على شعب الجنوب قد ولى إلى غير رجعه».
ودعا «القوى الجنوبية ان تعرف حدودها وان تعرف أن الواقع يؤكد اليوم أنه لا يوجد كيان يمثل الجنوب ولو حتى نسبياً، ولكن توجد كيانات أوجدت نفسها واوجدت بعضها قوى أخرى وهذه القوى جميعها شريكة في الجنوب».
إعتراف متميز
بدوره اعتبر الكاتب حافظ نديم، أن «تصريحات أحمد بن فريد الأخيرة هي بمثابة اعتراف متميز بأن المجلس ليس الممثل الشرعي الوحيد للقضية الجنوبية، وبداية لتفكير ناضج من قبل قيادات المجلس، ولا سيما قيادات في الخارج، وهي إدراك متأخر أن حجم المشروع المعبر عن القضية الجنوبية لا يمكن أن يتكون في حامل سياسي للقضية إلا من خلال توافق سياسي بين كل القوى والمكونات السياسية الجنوبية، المعبرة عن المبادئ والمشروع النضالي الجنوبي، الذي تكون منذ حرب 94 مروراً بانطلاقة الحراك الجنوبي في العام 2007».
وأشار خلال حديث لـ«العربي»، إلى أن «تصريحات بن فريد عكست الحالة السياسية المتشتتة التي يعيشها المجلس من الداخل، وحالة التردي والتفكك في الخطاب السياسي، حيث تصر قيادات المجلس في الداخل في كل بياناتهم وتصريحاتهم أن المجلس هو الممثل الشرعي والوحيد للقضية الجنوبية، وأنه مكون معبر عن كل طيف ومكونات الثورة الجنوبية، لتأتي تصريحات (بن فريد) لتنفي وتسقط كل ما كان يردد قادة المجلس لأكثر سنة ونصف».
وأوضح أن «تصريحات بن فريد جاءت متأخرة لكنها تعكس وعياً ناضجاً ومتحضراً لبعض النخب القيادية في المجلس، يحاكي الواقع ويحاكي الاعتراف بالحقيقة الماثلة».
إيجاد توافق وطني
من جهته، قال رئيس «اتحاد المجموعات الجنوبية» الباركي الكلدي، إن «دعوة القيادي في الانتقالي أحمد بن فريد، تعكس مرحلة المخاض التي تمر بها القضية الجنوبية والانقسامات التي تتوسع يوماً بعد يوم»، معرباً عن أمله في أن «يكون لصوت بن فريد أذان تسمع وأن تطمس وجوه الخلافات والفرقة والانقسامات، وفتح باب حوار حقيقي بين قوى الثورة الجنوبية ومكوناتها وإيجاد التوافق الوطني الذي يجمع شمل القوى الثورية والسياسية، وعدم تفرقها في مثل هذه المرحلة الحساسة التي أصبحت فيها أطماع الدول تتصارع على أرضنا، وعلى حساب قضيتنا متخذين من القوى الجنوبية أدوات لذلك الصراع وتلك الأطماع».
وأشار الكلدي خلال حديث لـ«العربي»، إلى أن «المرحلة في الجنوب تتطلب الالتفاف والتوحد ورص الصفوف، وأن تتبعها دعوات من قبل القيادات الواعية التي تدرك حساسية الأوضاع والمرحلة، وأن تبدأ عملية الحوار والجلوس والتوافق على إيجاد مظلة جنوبية واسعة لقوى التحرير والاستقلال، لنتجاوز محنة المرحلة والحرص على الصف الوطني والحفاظ على ما أنجزته قوى الحراك الجنوبي وثورته المباركة، ومقاومته وانتصاراتهم، وما أنجز من أعمال وتواصل وتفاعل خارجي وداخلي».

التعليقات