بعدما أخفق تحالفها العسكري في تحقيق اختراق نوعي يضع كامل الشرفة المائية من خليج عدن إلى موانئ الحديدة الثلاثة تحت سيطرتها، حاولت واشنطن بمعاونة فارقة من لندن، اجتراح صيغة التفافية ناعمة تكفل لها بسط السيطرة على هذه الشرفة الملاحية الأهم، عبر مشروع قرار بريطاني يستهدف وضعها تحت إدارة دولية بقرار أممي يكون لأمريكا الريادة فيها.
لم يرشح الكثير عن مضمون مشروع القرار الذي جرى سحبه غربياً قبل بلوغ مرحلة التصويت في مجلس الأمن وأزوف زمن جولة مشاورات السويد، غير أن مصادر دبلوماسية محلية ألمحت إلى أن مشروع القرار كان يسير صوب هذا الهدف خلال نقاش لي معها، ويمكن البناء على هذه الجزئية والقول إن الصين كـ«مايسترو» لـ«تكتل بريكس» علاوة على إيران، كانت حائط الصد الذي قدرت واشنطن ـ لندن أنه سيحول من دون تأمين المناخ المؤاتي لتمرير المشروع بصيغته الالتفافية في مجلس الأمن، فأحجمتا عن الدفع به باكراً؛ لكن لجهة تفاهمات أخرى ولا ريب مع ذات التكتل.
لا أحد بوسعه أن يدحض حقيقة أن الممر الملاحي الأهم دولياً والمتمثل في مثلث الشرفة المائية الآنفة، هو على شفير النار وآيل للاشتعال في أية لحظة بفعل تنامي رقعة الاشتباك بين الجيش واللجان من جهة، وتحالف القوى الغازية الأجنبية في الساحل الغربي ومشارف الحديدة من جهة مقابلة، غير أن المجتمع الدولي يرفض الإقرار علناً بأن «التحالف» بعدوانه هو الطرف المسؤول عن جر الاشتباك إلى هذا المستوى غير محمود العواقب، لجهة أمن الملاحة الدولية ومصالح القوى الكبرى المنخرطة في دعم «التحالف»، أو المتحفظة إزاء إبداء مواقف معلنة حازمة تجاه مقامراته؛ فهل أفضى بلوغ هذا المستوى من الأخطار المنظورة إلى عدول أمريكا عن مسارها الاستحواذي العاثر، والرضوخ لتفاهمات لها صلة بصلب «اتفاقية الحديدة»، التي يبدو أن للصين وروسيا وإيران دوراً فاعلاً فيها؟ وإلى أي حد أمكن لصنعاء الثورة ووفدنا المفاوض تنغيم هذه التناقضات الناجمة عن صمودنا الفذ في المشهد الدولي؟ وأن يكون طرفاً أصيلاً وفاعلاً فيها بناءً على محددات المصلحة الوطنية في هذا الطور من الاشتباك؟
من المؤكد أن هجومات «التحالف» العدوانية على الحديدة كميناء وحيد وأخير في جغرافيا السيطرة الوطنية ذات الكثافة السكانية الأكبر، قد أخفقت في أسخن ذروات تصعيدها ولم تتمكن من تأمين انتصار يكفل لأمريكا استحواذاً نظيفاً لجهة تقويض بنية الجيش واللجان في الساحل وأطره الشعبية الرديفة داخل المدينة ومشارفها، الأمر الذي لا غنى عنه لبسط سيطرة آمنة على الممر الملاحي تتيح لأمريكا وضع الصين وإيران والهند، تحديداً، تحت إبط الأمر الواقع، كما وتلجم مخاوف بقية العالم إزاء مقامرة كهذه على مصالحه.
لم يذهب «التحالف» إلى السويد منتصراً ولم يعد منها بالمكسب السياسي الذي استهدف تحصيله لأربعة أعوام عسكرياً، بينما أمكن لمفاوضينا زنزنة قدرته العسكرية على شن هجومات لاحقة بعيداً عن المدينة بموجب الاتفاقية التي هي حصيلة مناولة ديبلوماسية ذكية من وفدنا، ألجمت أمريكا وأفسحت متنفساً مرناً وأممياً أمام مناوئيها الكبار لكبح جماح استحواذها، في واحد من أهم مسارح النفوذ المائي الكوني، من خلال اتفاقية تمثل صنعاء طرفها الأصيل والوازن عسكرياً وسياسياً.
حتماً لكل ذلك تداعياته السلبية غير المنظورة في الراهن على دول العدوان، والتي ستتكشف تباعاً في ما لو دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ العملي.

التعليقات