مساء السبت الماضي، جلس ابني أمامي وقال: «ظهر اليوم شعرت بأنه نهاية العالم». انتابني ذلك النوع من الفزع المتأخر الذي يشعر به أي أب ظن لوهلة بأن ابنه تعرض لحادث كاد يودي بحياته. ثم تذكرت أنه كان طوال اليوم معي. تساءلت عما جعل طفل الثانية عشرة يشعر بنهاية العالم؟ لكنه رد مبتسماً من فزعي: «لم يحدث شيء. أقصد عندما قلت ونحن في السيارة إن بريطانيا سوف تستعمر اليمن من جديد».
كنا ظهر ذلك اليوم، خرجنا قاصدين السوق، أنا وأسعد ومونو، وفي الطريق وجدنا صديقاً تعطلت سيارته وأوصلناه معنا. سألني الصديق عن وضع البلاد وما إذا كانت الحرب ستتوقف فعلاً، خاصة بعد اتفاق ستوكهولم بتسليم ميناء الحديدة لإشراف الأمم المتحدة.
كنت ضائقاً وساخطاَ مما آل إليه وضع اليمن على المستوى المحلي والدولي. لم أفكر بالرد كثيراً ووجدت نفسي أقول: «نعم، ربما تتوقف الحرب، لكن مقابل ذلك سوف تستعمرنا بريطانيا من جديد». سأل الصديق باستغراب عن معقولية حدوث ذلك، وقلت مؤكداً: «نعم للأسف؛ إما حرب أو استعمار».
لم يخطر ببالي قط أن طفليّ سيلتقطان هذه النظرة القاتمة ويشعران بنهاية العالم، وكان علي حينها أن أزيل منهما المشاعر السلبية التي أحاول تجنب بثها في محيطي الإنساني. وإذ أورد هذه القصة هنا، فلأنها ليست قصتي وحسب، بل قصة تحدث كل يوم، بطريقة أو بأخرى، داخل كل أسرة يمنية تكتوي بنار الحرب وانتهازية القوى الفاعلة دولياً.
لم نعد نعرف هل نتفاءل بالسلام الذي لم تتشكل ملامحه بعد، أم نتشاءم من مستقبل مفخخ بقنابل الصراع الدولي وما أحدثته الحرب من شروخ وطنية؟
تكثفت المساعي البريطانية في الملف اليمني بصورة واضحة، بالتزامن مع تصعيد معركة الحديدة. لكن مع اقتراب مشاورات السويد مطلع ديسمبر، كانت الدبلوماسية البريطانية تستعيد ذلك التأثير الذي كانت عليه في زمن آرثر جيمس بلفور. تمضي بريطانيا قدماً في مساعيها لدعم التهدئة في اليمن. وبعد اعتماد مشروع قرارها في مجلس الأمن، قالت كارن بيرس، مندوبة المملكة المتحدة في المجلس، إن القرار 2451، «يسمح للأمم المتحدة بدعم تنفيذ اتفاق ستوكهولم»، واصفة الاتفاق بأنه «يمكن أن يكون نقطة تحول في اليمن».
وفي الوقت الذي تحشد فيه بريطانيا الدعم الدولي والاقليمي للتركيز على الجانب الإنساني، باتت تحذيراتها من المجاعة متماثلة من حيث الإلحاح مع تحذيرات الأمم المتحدة. الفارق أن مسؤولي الأمم المتحدة يحذرون من خطر المجاعة على الشعب اليمني، بينما يحذر المسؤولون البريطانيون من خطر المجاعة على اتفاق ستوكهولم. ذلك هو ما يعني بريطانيا إذاً؛ اتفاق ستوكهولم، الذي يعيد الحديدة إلى حضيرتها الاستعمارية في الذكرى المئوية لاحتلالها عقب الحرب العالمية الأولى.
حالياً أكثر ما يتوق إليه اليمنيون هو انتهاء الحرب. وحين سألت طفل الثانية عشرة أيهما يختار: استمرار الحرب أم الاستعمار؟ أجاب من دون تردد: «الحرب». نفس السؤال وجهته لشخص خمسيني كان يرافق الصديق ذي السيارة المعطلة في الطريق؛ وأجاب من دون تردد أيضاً: «الاستعمار أهون من الحرب». إنه فارق الرؤية بين جيلين؛ التوق غير المتسق للخلاص.

التعليقات