ظلت المملكة المتحدة (بريطانيا العظمى) منذ مطلع العصر الحديث في صدارة الدول الاستعمارية الأوروبية، التي لا تغيب الشمس عن مستعمراتها، وتأكد أنها لم تتراجع عن وجودها القسري على خارطة العالم في منتصف القرن الماضي، إلا بعد أن شهد العالم تحولات كبيرة بفعل ما أحدثته الحربين العالميتين الأولى والثانية من دمار، راح ضحيته عشرات الملايين من الضحايا داخل القارة الأوروبية وخارجها.
وكانت بريطانيا قد مثلت رأس حربة ومركز الثقل الأول في هاتين الحربين، ناهيك عن ما أحدثه ميلاد الاتحاد السوفييتي السابق بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى من توازن في القوى العالمية، وتوجهه نحو أحداث التغيير في الوعي العالمي تجاه الرأسمالية العالمية، ودعم قوى التحرر الوطني في دول العالم الثالث، التي استطاعت تحقيق أهدافها في التحرر من الاستعمار، لتتوارى بريطانيا عن تلك المستعمرات، مخلفة فيها تركة استعمارية، لا يمكن لشعوب تلك البلدان تجاوزها بسهولة، بفعل الخصوصية الاستعمارية البريطانية، التي ظلت تتعمد الأسلوب التفكيكي لمجتمعات وشعوب مستعمراتها، وإدارتها للصراعات الداخلية من منطلقات عرقية وطائفية، وتبنيها مراكز قوي ضد بعضها البعض داخل المجتمعات الصغيرة (فرّق تسدّ)، لتظل بذلك منفردة بمعرفة أسباب تلك الصراعات وطريقة إدارتها أو إيقافها، حتى بعد منح تلك الدول استقلالها. فتراثها الاستعماري حافل بالتفكيك، إذ لم تترك الهند إلا بعد انتزاع باكستان وبنجلادش من الدولة الهندية الأم، ولم تترك وادي النيل إلا بعد فصل السودان عن مصر، كما أنها لم تترك العراق إلا بعد أن صارت كاظمة (الكويت) إمارة مستقلة في الجنوب، ناهيك عن منحها الاستقلال المشروط لدويلات الخليج في سبعينيات القرن الماضي، والذي يلزم هذه الدويلات بأحقية الشركات البريطانية في مختلف العقود المستقبلية بكل ما يتعلق بالنفط وغيره من الثروات الطبيعية.
تفكيك اليمن
استطاعت بريطانيا منذ الوهلة الأولى لاحتلالها عدن في عام 1839 وضع  اليمن ضمن مشاريعها التفكيكية الأولى على مستوى المنطقة العربية، وبدا ذلك واضحاً في تنفيذها أعرق خططها التفكيكية التي استطاعت في المرحلة الأولى منها تكريس فصل اليمن إلى دولتين، الأولى شمالية، وتمتد بمحاذاة الساحل الشرقي للبحر الأحمر، وصولاً إلى مشارف الحجاز، تقع تارة تحت الحكم التركي وتارة تحت حكم الأئمة، وفي المرحلة الثانية منها عمدت إلى انتزاع الشطر الأكبر من مساحة دولة اليمن الشمالي، وضمها إلى الدولة السعودية، التي تم الإعلان عنها عبر مراحل في السنوات الفاصلة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، لتواكب مرحلة جديدة من الأطماع الاستعمارية، لتبقى دولة اليمن الشمالي بعد ذلك مجرد وثيقة تضمن من خلالها بريطانيا خط الحدود الذي رسمته لحدود جنوب اليمن، الممتد من باب المندب غرباً، مروراً بخليج عدن وساحل البحر العربي حتى الحدود الغربية لسلطنة عمان، وظلت تحكمه عشرات المحميات (مشيخات وإمارات) وجميعها خاضعة لحماية التاج البريطاني، طيلة قرن ونيّف، واستمر الحال على ما هو عليه حتى تحقق رحيلها واستقلال جنوب اليمن في نوفمبر 1967، والإعلان عن دولة يمنية جديدة، ويرى محللون ومتابعون، أن وثيقة الاستقلال التي وقعها ممثلو الجبهة القومية في جنيف، قد انقادوا لما تريد بريطانيا في استقلال دولة الجنوب، ولم يمثلوا إرادة قوى جنوبية ناضلت من اجل إعادة وحدة التراب اليمني فور الاستقلال، بالإضافة إلى احتوائها شروط مجحفة بحق الدولة الجنوبية الوليدة، أبرزها التزام حكومة الاستقلال بالإبقاء على مختلف ضباط وأفراد قوات الجيش والشرطة الذين عملوا مع الاستعمار ضمن قوام قوات الدولة الجنوبية.
إلى ذلك، تحدث إلى «العربي» العقيد متقاعد سالمين لعور، قائلاً «أعتقد أن هذا الشرط يعتبر من أخطر الشروط، لأن بريطانيا أبقت أيديها داخل مختلف أجهزة الدولة في الجنوب»، وأضاف «وأعتقد أنه كان من أهم الأسباب التي أدت إلى عدم استقرار الدولة الجنوبية، خاصة أن طبيعة الصراعات التي ظلت تشهدها الساحة الجنوبية لم تنطلق إلا من منطلقات قبلية ومناطقية، وهي ذات الأسس في النزاعات التي أرستها بريطانيا بين الجنوبيين».
وخلص لعور في حديثه إلى أن «معظم من قادوا الصراعات الدموية بين الجنوبيين منذ الاستقلال هم من القيادات التي تتلمذت في بريطانيا، ويعتبر علي شائع هادي أبرز هؤلاء، والذي كان من أبرز القادة العسكريين في أحداث 13 يناير 1986، وحتى عبد ربه منصور هادي، الذي يقود اليوم حربا تفكيكية خطيرة على مستوى اليمن بأسره، هو الأخر تلقى تعليمه العسكري في الستينيات من القرن الماضي في كبرى الكليات العسكرية البريطانية وعلى نفقة الجيش البريطاني».
الملف اليمني
ويرى مراقبون أن الحرب التي تشهدها اليمن منذ أربع سنوات، لم تكن بمعزل عن الدور البريطاني، ويستشهدون على ذلك بالعديد من دلائل، أبرزها الدور الكبير لدولة الإمارات في هذه الحرب، باعتبار أن هذه الدولة تقوم بهذا الدور لأنها مازالت ملزمة بتنفيذ اشتراطات استقلالها عن بريطانيا التي تلزمها بالعمل وتسخير كل إمكاناتها لما قد يتطلبه منها في خدمة التاج البريطاني في المنطقة، بالإضافة إلى الدور الذي ظلت تلعبه بريطانيا في أروقة مجلس الأمن الدولي، واحتفاظها بملف الأزمة اليمنية، منذ اليوم الأول للحرب في اليمن، مبررة ذلك بخبرتها في الشئون اليمنية، فيما هي في حقيقة الأمر تبحث عن طريق العودة إلى مستعمراتها القديمة، من مدخل الحروب الأهلية، ومنها الحرب في اليمن، التي توحي بأنها لا تخلو من اللمسات البريطانية، ويظهر ذلك من خلال الأطراف الممثلة للحرب، وتوجهاتهم القبلية والمناطقية والعرقية، ناهيك عن تغوّل مزعوم القضية الجنوبية، ووصولها حد منع الشماليين من البقاء أو المرور عبر أراضي الجنوب، وهو ما يؤكد الأهداف البريطانية القديمة في اليمن وليس لغيرها أية مصلحة في ذلك.
وفي هذا السياق، تحدث إلى «العربي» الدكتور علوي الدبيسي الأستاذ في جامعة شبوة، قائلاً «مازالت بريطانيا تمارس نفس سياساتها الاستعمارية السابقة في المنطقة العربية واليمن، وقد استطاعت توظيف ثقلها السياسي في مجلس الأمن الدولي واستصدرت عديد قرارات أممية لصالح دول التحالف وحربها في اليمن»، معللا ذلك بالقول إن «تلك القرارات شرعنت للسعودية والإمارات حربهما التدميرية في اليمن».
وأضاف الدبيسي قائلاً إن «يد بريطانيا قوية في الحرب الخطيرة في اليمن، ولا استبعد أنها هي من خطط لهذه الحرب، ويتأكد ذلك كل يوم، خاصة بعد نجاحها في فرض مواطنها مارتن جريفيث، ممثلاً للأمين العام للأمم المتحدة في اليمن، بالإضافة إلى الدور الذي ظل يؤديه وزير خارجيتها جيرمي هانت، من أجل إنجاح مهمة جريفيث الأخيرة، وقيامه بزيارات مكوكية، شملت سلطنة عمان، والإمارات والسعودية، وصولاً إلى استصدارها قراراً من مجلس الأمن الدولي، بخصوص الإبقاء على الحديدة تحت وصاية الأمم المتحدة».

التعليقات