تتجه أنظار العالم، وقبلها قلوبُ اليمنيين، إلى السهل التهامي، وتحديداً ميناء الحديدة. فميناء الحديدة الذي توقفت المعارك قريباً منه أصبح البوابة الرئيسية المفتوحة على اتجاهين: إما الاستمرار في الحرب إلى ما لا نهاية، وإما الاتجاه نحو الحل السلمي السياسي، وهو الاحتمال الراجح بعد فشل الحل العسكري حد العجز، والفضيحة، وانكشاف الجرائم الكاثرة المؤرقة للضمير الإنساني، والتي جعلت من اليمن الكارثة الأسوأ في العالم.
لعل أهم ما أنجزه لقاء السويد بين فرقاء الحرب هو التوافق على التهدئة في الحديدة. فربما كان إدراك المجتمع الدولي أكثر إحساساً بهول الكارثة باقتحام الحديدة، وتدمير مينائها، من تجار الحروب اليمنيين، وقادة المليشيات والزعماء.
كان العالم أكثر إدراكاً لخطورة تعطيل ميناء لا تطال خطورته عائدات «أنصار الله» فحسب، وإنما -وهذا هو الأهم- تمتد إلى 80% من اليمنيين. فالشعب المقتول بالإحتراب، والتشريد، والمجاعات، والأوبئة الفتاكة سيكون عُرضةً للإبادة؛ بسبب منع وصول البضائع والمواد الغذائية، والأدوية، والمعونات والمساعدات.
ضغط جرائم الحرب يتفوق على عجز المتقاتلين عن الحسم العسكري، والأطراف الإقليمية المنخرطة في الحرب غير قادرة هي الأخرى على تحقيق النصر الذي توهمت إنجازه في أسابيع أو أشهر، وهي عاجزة أكثر عن التغطية على جرائمها التي قتلت عشرات الآلاف، وكادت تقضي على حياة شعب بأكمله.
تظافرت عوامل عديدة لفرض القبول بتهدئة، ولو جزئية ومؤقتة، في الحديدة والميناء، وهي تهدئة تمهد لحل سياسي شامل وكامل في حال ما التزم الطرفان باستمرار الهدنة ومدها إلى مختلف جبهات القتال.
يعزز القرار الأممي هذا الاتجاه، ويلزم بوقف الحرب، كما يؤكد على وجود مراقبين دوليين؛ للإشراف على إيقافها. فوقف الاقتتال في الحديدة مؤشر مهم للحرب في اليمن كلها؛ إذا ما توقفت هناك، يمكن مدها إلى بقية مناطق الصراع. ولكن تسعير الحرب في المناطق الأخرى قد يكون له انعكاسات سلبية على الحديدة نفسها.

وقف الاقتتال في الحديدة مؤشر مهم للحرب في اليمن كلها


الملمح الواضح في هذه الحرب الكريهة أن الطرف الإقليمي فيها هو الأقوى. ومن هنا، فإن الضغط الدولي على هذا الطرف له نتائج مهمة، وهو ما حصل في لقاء السويد، وقد أدركت الدول الكبرى والمبعوث الأممي هذا الأمر.
ما تتناقله وسائل التواصل الاجتماعي عن المعارك في صرواح دلالته خطيرة، وانعكاساته جد سلبية على التهدئة، وبالتالي على الحل السياسي، واللقاء القادم. قد تكون هناك أطراف في كل الاتجاهات تسعى لتأجيج الصراع، ولها مصلحة في استمرار الحرب. فالخروقات المتكررة هنا أو هناك، وبالأخص في محيط الحديدة والميناء والمناطق القريبة، تشكل تهديداً مباشراً لوقف الحرب.
إعلام طرفي الحرب المستفز، وتبادل التهم، والاستمرار في التحريض وخطاب الكراهية والعنف تمثل مخاطر على التوافق والتهدئة. يحاول كل طرف ادعاء الانتصار، وهزيمة الآخر، وهذا الخطاب مفهوم في سياق بثه للمؤيدين والحلفاء، ولكن الحقيقة أن الحروب الأهلية لا منتصر فيها، وغالباً ما يكون المنتصر الحقيقي فيها هو الشعب الذي يكتوي بنارها، ويدفع أغلى الأثمان من أمنه، وسلامه، واستقراره، ودماء أبنائه.
أطراف الحرب قد تحسب انتصارها بما كدسته من أموال، ولكنها على الصُعُد السياسية والأخلاقية والوزن والتأثير تكون الخاسر الأكبر. فالسلام عدوها ومقتلها.
الاتفاق حول التهدئة في الحديدة خطوة مهمة باتجاه مستقبل الحل، وتفسح السبيل أمام الحوار في اللقاء المزمع نهاية يناير القادم. فالأوضاع في المنطقة العربية تساعد في تزكية خيار ونهج الحل السياسي السلمي. استتباب الحالة الأمنية في العراق، وانكسار موجة العنف في سوريا وليبيا، والانتفاضة المستمرة في فلسطين والمتصاعدة في السودان المتورط في الحرب، جميعها نوافذ للسلام.
الحروب التي شنتها الأنظمة الفاسدة والمستبدة في سوريا وليبيا واليمن والبحرين والسودان في مواجهة «الشعب يريد إسقاط النظام» لا هدف لها غير تسويد العنف، والاحتكام إليه، وجعله السبيل الوحيد للوصول إلى الحكم، والاستنقاع فيه. فالسلام، والاحتجاج المدني السلمي هما الخطر الساحق الماحق ضد الأنظمة الفاسدة والمستبدة في المنطقة العربية كلها، وهي، أي الحرب، سلاحها الفاجع والوحيد لقهر الشعوب، وحرف الصراع إلى ميدان تفوقها، ووسيلتها المثلى للتعامل مع احتجاجات شعوبها.
الحوار الوطني الشامل كان ملغوماً منذ البدء، باستمرار المواجهات العسكرية في غير منطقة بين قطبي الحكم: «المؤتمر»، و«الإصلاح»: علي صالح، وعلي محسن؛ ما مهد السبيل لانقلاب 21 سبتمبر على الحوار ومخرجاته، والزج بالبلد في الحرب.
لم تكن السعودية ودول الخليج المتربصة والمعادية للديمقراطية، والتعددية السياسية والحزبية في اليمن، راضية عما يجري فيها، ولم يكن دخولها الحرب لإعادة «الشرعية» والانتصار لمخرجات الحوار التي تقف ضدها بالأساس من الألف إلى الياء، وإنما كان غرضها التفكيك والسيطرة والقضم.
عودة الأمن والسلام والاستقرار إلى اليمن مسئولية كل اليمنيين، وعلينا أن نزكي خيار السلام، ونصعد الاحتجاجات السلمية ضد الحرب؛ باعتبار الحرب أرقى أشكال الفساد والاستبداد. أما الأطراف المتقاتلة فهم أعداء حقيقيون للحياة قدر عداوتهم للعدالة، والديمقراطية، وبناء الدولة المدنية.

التعليقات