يقدّم لنا الصراع الحالي نسخة مقرّبة عن المستقبل. حتى مع افتراض تحقق الخيارات الأفضل، فإن المستقبل يبدو مظلماً إلا إذا كان هناك للزمن خياراً آخر تصحو فيه إرادة المجتمع وتظهر نخبة جديدة لم تتلوث بمكروبات الماضي ولا بمشكلات الحاضر. 
ببساطة يمكننا أن نرى ملامح المستقبل - في حال سارت الأمور في اتجاهها الطبيعي نحو السلام - وهي ملامح داكنة لا يمكن أن تكون بعيدة عن تجاعيد حاضرها، ويمكننا معرفة ذلك من خلال رؤية الأطراف الفاعلة في الصراع وقراءة توجهاتهم في إدارة البلد. فباختصار، لا يمكن أبداً إزاحة ما تقوم عليه سياسة كل طرف عن السياسات المتوارثة، ولكن أضف إليها ما أضافته الحرب من توحّش، والفوضى من كوارث.
في الجهة التي تدّعي الشرعية، تساءلنا كثيراً عن المقوّمات التي تمنح الشرعية مسمّاها، وكيف تسوّغ لنفسها التحدّث باسم بلد وهي أعجز من أن تدير حارة، أو منفذاً. إذ يمثل منفذ الوديعة الحدودي مع المملكة العربية السعودية أكبر نافذة للفساد، ويقدّم نموذجاً حياً لإدارة الدولة بأدوات الماضي وسياستها الفاسدة. 

 تساءلنا كثيراً عن المقوّمات التي تمنح الشرعية مسمّاها وكيف تسوّغ لنفسها التحدّث باسم بلد وهي أعجز من أن تدير حارة، أو منفذاً


تعدّ هذه الجغرافيا الصغيرة أحد المنافذ التي يمكننا من خلالها تشكيل صورة من المستقبل في حال كانت السلطة في يد الطرف الذي يقاتل تحت غطاء الشرعية وبدعم إقليمي ودولي، إذ تقوم هذه السياسة على فرض الإتاوات الجائرة على الناس دون وجه حق، وفرض رسوم تذهب فوائدها إلى أشخاص وليس إلى الدولة، والعمل بقانون القرابة والمعرفة والمحسوبية، وتسلط من لا يملكون مؤهلات سوى قربهم من صانعي القرار. ثم وعلى الرغم من أن هذا المنفذ الحيوي الذي ربما تمرّ عبره أغلب واردات اليمن في الوقت الحالي، فإن الحكومة لم تستطع أن تعمل على صيانة الطريق التي تمرّ عبره إلى الداخل، وفي أقل من شهرين حصد هذا الطريق عشرات الأروح من البشر، ليظهر في أحد المشاهد علي محسن الأحمر، واضعاً حجز الأساس لإصلاح هذا الطريق، في مشهد يكرر سياسات النظام السابق في الاستغلال الإعلامي للمشاريع الوهمية على مدى العقود السابقة.
وبصورة موازية تبدو لنا ملامح الدولة المستقبلية في حال سيطرة القوى المدعومة حوثياً، والتي تحتكر السلطة في أغلب مناطق شمال اليمن ومنها محافظة الحديدة التي يقع ضمنها أهم ميناء رسمي لليمن، وعلى الرغم من سيطرة هذه القوى الكاملة فإنها لم تستطع حتى الآن أن تشكّل صورة مختلفة للمواطن بل إنها أخذت عليه الكثير من المكاسب الإيجابية، مثل المرتّبات والخدمات العامة. في مقابل احتكار السلطة في أيدي المقرّبين من الجماعة أو الموالين لها، مقدّمين مبدأ الولاء على مبدأ الكفاءة. وكذلك المزاوجة بين السلطة والمال وهي الطريقة ذاتها التي كانت تدار بها دولة النظام السابق.
أما الشكل الآخر الذي يعيد ملامح الدولة السابقة هو المهارة في الالتفاف على كل الأنظمة والقوانين والمؤسسات وتدجينها و«شكلنتها» من أجل تضليل الناس، ومن ثم تشكيل أنظمة تسلطية فردية تحت غلاف مؤسسات عامة، فكما تم الالتفاف سابقاً على الانتخابات والمؤسسات الديمقراطية، رأينا السلطات «الحوثية» كيف تعمل من أجل الالتفاف على التزاماتها بتطبيق اتفاقات ستوكهولم من خلال العمل على تسليم ميناء الحديدة من قواتها الشعبية إلى قواتها الرسمية، في حين أن الاتفاق يقضي بتسليم الميناء إلى قوات محايدة وهي القوات التي كانت قائمة في المدينة قبل العام 2014. هذا الالتفاف لا يعفى منه الطرف الآخر الذي يسعى بكل ما أوتي من قوة على تفسير الأمر من وجهة نظره، ويقول إن التسليم ينبغي أن يتم للقوات الرسمية الحكومية المعنية من قبل هادي مؤخراً.
إذ تجاوزنا كل هذه التفاصيل أو عملنا على تجميع تفصيلاتها فسوف تتشكل لدينا صورة عن المستقبل، إذ إن مستقبلنا هو نتيجة لكل هذا الصراع الذي يعتمل حالياً، والأمل بغد أفضل يتطلب أن نتجه صوب البحث عن خيارات أخرى لا تنتمي إلى كل هذه الأطراف التي هي بالنتيجة جزء أساسي من الماضي.

 

التعليقات