بين اليمن والسودان صلات تمدن وحضارة عميقة ومتواصلة، كما أن ثمة اختلافات في التركيبة والبنية المجتمعية، والتنوع، والتعدد. فالمجتمع السوداني مجتمع فسيفسائي: شمال إسلامي عروبي، وجنوب زنجي مسيحي، وأقلية وثنية.
مجتمع الشمال متنوع ومتعدد بانتماءاته القبلية والعشائرية والطوائفية، وهناك فارق جوهري وعميق في التجربة السياسية للشعبين الشقيقين. فالتجربة السياسية في السودان سمتها الرئيسية «الديمقراطية، والتعددية السياسية والحزبية» منذ مؤتمر الخريجين 1938.
نالت السودان الاستقلال عام 1956 في ضوء الحق في تقرير المصير من قبل الاستعمار البريطاني، والوجود المصري عام 1953 أي بعد قيام الثورة المصرية بعام واحد، بينما نالت «المتوكلية اليمنية» استقلالها عام 1918 عقب الحرب الكونية الثانية، وبعد حروب ممتدة وطائلة ضد الاحتلال التركي، بينما بقي الجنوب اليمني تحت الاحتلال البريطاني منذ 1837.
ومنذ عام 1956 أصبحت السودان دولة مستقلة وديمقراطية يتنافس على حكمها- عبر صناديق الانتخاب- الطائفتان الكبيرتان: الختمية (حزب الاتحادي الديمقراطي)، و الأنصار (حزب الأمة)، الطائفة المهدوية الممتدة جذورها إلى المجاهد محمد أحمد المهدي 1885 .
وشهدت التجربة السودانية صراعات مريرة بين هاتين الطائفتين، وكان الصراع الأعمق والأعنف صراع الشمال والجنوب، والعسكر والانتفاضات. الصراع بين الشمال والجنوب يعود إلى عام 1955، ولكنه بعد الاستقلال ازداد ضراوة وعنفاً؛ بسبب العسكر في عهد عبود 58-64 الذي انتهج أسلوب «الأسلمة»، و«التعريب»، في الجنوب، وقد سارت الحكومات المتعاقبة، سواء الديمقراطية أو العسكرية، على نفس نهج عبود في إقصاء الجنوب، وفي استمرار الحرب. ورغم أن النميري وقع اتفاقية أديس أبابا عام 1972 لإحلال السلام في الجنوب إلا أنه قد انقلب  على الاتفاق.
اليمن (المتوكلية اليمنية) عام 1922 أقامت حكمها على أساس الخلاص من الوجود التركي، وكان حكمها ثيوقراطياً أقسى بما لا مزيد عليه من الاحتلال التركي.
أطاحت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر بنظام الإمامة المتوكلية، وساندت الثورة في الشمال ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963 في الجنوب، كما ساند جيش الزعيم العربي جمال عبد الناصر الثورتين اليمنيتين.
وكانت شرعية الاستقلال في السودان سلمية؛ فقد أقيمت أول حكومة بعد الاستقلال في ضوء نتائج انتخابات فاز بها «الاتحادي الديمقراطي»، بينما حققت اليمن بشطريها استقلال «دولتيهما» عبر الكفاح المسلح في الشمال ضد الأتراك 1918،  وفي الجنوب ضد بريطانيا 1967.

حققت اليمن بشطريها استقلال دولتيهما عبر الكفاح المسلح 


خاضت الجمهورية اليمنية (المتوكلية اليمنية سابقاً) حرباً ضد الملكيين؛ فقد أشعلت العربية السعودية، مدعومةً بالرجعيات العربية، وبأمريكا وأوروبا، وبالأخص بريطاني، حرباً ضد الثورة الوليدة المدعومة من الجيش المصري، وقد استمرت الحرب 7 سنوات، وتعرضت العاصمة صنعاء لحصار استمر سبعين يوماً انتهى بانكسار الملكيين، وقيام «مصالحة وطنية» بين الجمهوريين والملكيين جعلت من السعودية الخصم والحكم في آن، وأفسحت السبيل لحربين بين الشمال والجنوب تلتها حرب ثالثة عام 94 بعد قيام الوحدة عام 1990.
أما السودان فقد غرقت في الصراع بين الديمقراطيات الهشة المدخولة بالأحزاب الطائفية و«الجبهة القومية الإسلامية»، وبين الانقلابات العسكرية المتكررة: 54، و69، و87، وبين الانتفاضات الشعبية: 64، و85، و2018، كما مثلت الحرب ضد الجنوب، ودارفور، والنيل الأزرق، وجبال النوبة (كردفان) كعب أخيل في الطبيعة السلمية لاستقلال السودان، وعبرت عن طبيعة الانتفاضات الشعبية الرافضة للحرب والداعية للفدرالية، ثم ما تلا ذلك من مطلب حق تقرير المصير للجنوب.
كان العسكر والإسلام السياسي للطائفتين: «الأنصار»، و«الختمية» (الاتحادي الديمقراطي)، و«الجبهة القومية» بزعامة الترابي أكثر الأطراف هوساً بدعوات الحرب ضد الجنوب، وضد الحياة الديمقراطية، والانتفاضات الشعبية، وأكثرها ميلاً إلى  الجنوح لـ«الأسلمة»؛ فتم  إقصاء التيارات الديمقراطية، وبالأخص الحزب «الشيوعي»، وجرى تكفير الجنوبيين، والدعوة للجهاد المقدس ضدهم؛ فلطالما ردد الترابي: «وحدة العقيدة أهم من وحدة التراب»، كما كفّر الترابي، زعيمِ «الاتحادي الديمقراطي» محمد عثمان المرغني، الذي وقع اتفاقية أديس أبابا الثانية مع الزعيم الجنوبي جون جرنج عام 1988.
أما العسكر: عبود، النميري، والبشير مع الجبهة القومية فمسئولون- بالدرجة الأولى- عن انفصال الجنوب. إذ أن إفشال العسكر و«الجبهة القومية» للاتفاقية مع الجنوب كان آخر مسمار في نعش السلام بين الشمال والجنوب، وهيأ لانفصال الجنوب، ومثّل مقتل الزعيم جرنج بالحادث الغامض النهاية غير السعيدة لوحدة السودان.
في اليمن، ومنذ المصالحة الوطنية 70، وانقلاب الـ 5 من نوفمبر 67، دأبت القوى المشيخية، والإسلام السياسي- تيار الإخوان المسلمين- بزعامة الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، زعيم «التجمع اليمني للإصلاح»، وقادة الجيش مدعومين من المملكة السعودية، على «أسلمة» الحياة، وبالأخص التعليم، وصادروا الحريات العامة والديمقراطية، وحرية الرأي والتعبير، وأعلنوا الحرب ضد الجنوب «الكافر»، والقيادات اليسارية والقومية العلمانية. وكانت حرب 94، وحروب صعدة الستة بداية تدمير الوحدة اليمنية، وهيأت البلاد لحروب «الأسلمة» ببعد مذهبي وقبائلي وجهوي: شمال، وجنوب.
لم يعرف الجنوب النعرات المذهبية، ودعوات الانفصال بالصورة المعاشة إلا بعد حرب 94، وقد تولي علي عبد الله صالح (المؤتمر الشعبي العام)، وعلي محسن الأحمر (التجمع اليمني للإصلاح) كِبر دعوات الحرب، وتهيئة اليمن للاحتراب والتفكك.
انقلاب صالح و«أنصار الله» 21 سبتمبر، يأتي في سياق حروب التمزق والتفكيك وإعطاء المبررات للسعودية والإمارات المتحالفتين لإعلان الحرب على اليمن بهدف تمزيق نسيجه المجتمعي، وتدميره وتفكيك كيانه الوطني، ولا علاقة للأمر بعودة «الشرعية»، أو الالتزام بمخرجات الحوار الوطني والقرارات الدولية، وقد بلغ الأمر حد تقتيل مئات الآلاف، وتشريد الملايين، ومجاعة تتجاوز ثلثي المواطنين، وتفشي الأوبئة الفتاكة المنقرضة في العالم.
انتفاضة السودان 18 ديسمبر 2018 تعبير عن حالة الأزمة الشاملة في كل مناحي الحياة، واستمرار القمع والإرهاب ضد شعبٍ شرعيةُ استقلاله الديمقراطية. الحرب واستمرارها في اليمن مثلت القطع أمام ثورة «الربيع العربي» التي بدأت في العام 2011، ولا تزال الثورة هدفاً رائساً للحرب.
اليمن والسودان بلدان يمتلكان ثروات هائلة، ويعيشان حالة مجاعة حد الإهلاك. فالبلدان يشتركان ويختلفان في طبيعة البنية القبلية والطائفية والجهوية والإسلامية؛ وهذا هو أساس الكارثة والصراع الدامي في كلا البلدين. هناك فارق جوهري بين التجربتين؛ فتجربة السودان ديمقراطية أعاقتها الأحزاب الطائفية والانقلابات العسكرية، بينما تجربة الحكم في اليمن بشطريها غير ديمقراطية مع استثناءات محدودة.

التعليقات