تربع خالد بحاح  فجأة مكاناُ رفيعاً في الصف الأمامي من الدولة، ثم إذا به فجأة أيضاً يعود القهقرى ويدور إلى الخلف، ثم يقيم في خلف المكلا، ولا ندري ما يفعل في مدينتا المنكوبة، وكان هو من بارك نكبتها، حينما أيد سقوطها المريع في يد من وصفهم قبل سنتين فقط بأنهم أبناء حضرموت.
واليوم على النقيض من ذلك يندد بالمنطقة العسكرية الثانية التي أخفقت في الدفاع عن المدينة من أبناء حضرموت الذين عاد ليصفهم بعناصر «القاعدة»، وينوه في الوقت نفسه بأبناء آخرين قادمين من المشرق لكن لا باسم أبناء حضرموت، بل تحت اسم آخر هو «النخبة الحضرمية»، ومن يدري ربما ينقلب عليهم ذات ليلة وينضم إلى صف من يراهم مجرد «قوات مليشياوية» لا غير، فكل شيء جائز في عقلية البحاح الذي بح عقله من التفكير بعد أن تبحبح بالمال الوفير.
ولا نعلم أيضاً أكان بحاح وهو على رأس السلطة يجهل ما يجري حوله فيصف الأمور بأوصافها ويسمي الأشياء بأسمائها؟ أم أنه صار أكثر علماً ومعرفة بما يدور بعد أن تم دحرجته من رياض نجد إلى غياض حضرموت؛ لينكشف له الغطاء وتزول عنه الغشاوة؟ فإذا كان كذلك لماذا لم يشرح لنا سبب ما وقع فيه من لبس، ومن أين أتاه التضليل، أو أقله أن يعتذر للمدينة المسكينة وأهلها المفجوعين، بل للمحافظة ككل على ما جرى لعاصمتها من حدث مريب استمر حولاً كاملا وهم لا حول لهم ولا قوة، ليزول ذلك الحدث الطارئ عن المدينة بين ليلة وضحاها، كما يقول بحاح، تماماً كما سقطت بين ليلة وضحاها والقهر الذي تلاها، فليته أتى بالحقيقة وجلاها، لكنه أخفاها ودساها.
 وبعد أن فرغ البحاح من تناقض رؤيته نحو سلوك المنطقة العسكرية الثانية بالمكلا، وبارك انهيارها بصورة مشبوهة، توجه ببصره تلقاء المنطقة العسكرية الأولى بسيؤون، وتتوالى صفاته الغامضة فإذا به يصف وجودها هناك بالوجود المشبوه، ويحرض عليها بشدة لم توفر شيئاً من نعوت التحريض؛ فهم جنود احتلال، وهم موالون «للحوثة الانقلابيين»، وهم ينشرون الفوضى، فكأنه يبحث مجددًا عن أبناء حضرموت آخرين يسقطونها، ويستولون على عاصمة الوادي، وإن كان هذا الدور يأتي الآن من البحاح بعد أن زحزح إلى الخلف، فلماذا لم نسمعه يكشف لنا حقيقة الوجود المشبوه لتلك القوة الاحتلالية والحوثية حينما كان يحزم حقائبه متنقلاً بين عواصم عاصفة الحزم؟ فلم يدلهم على حقيقة هذه القوات القريبة من حدودهم الجنوبية، بل هو يتجرأ اليوم فيزمجر على التحالف نفسه ويشوه صورته أمام الحضارم كداعم لـ«جيش حوثي احتلالي قابع على أراضيه».
 وهو ينوه كثيراً بـ«النخبة الحضرمية» وإنجازاتها في ساحل حضرموت، ولكنه لا يقول لنا أهي جيش أم قوة أمنية، بل يصفها بصفاتها الإعلامية بالنخبة وبالمنطقة، لا نعرف أيضاً، أيفعل هذا عن غشاوة أم شقاوة؟ لم نره يقارن بين العتاد الحربي الذي تحوزه المنطقتان إذا كان كلاهما يحملان صفة جيش، ولم يتساءل عن سبب الفارق في التسليح، وهو إذ يطالب بنشر تلك النخبة في الوادي لتحل محل قوات الاحتلال هل يريدها أن تكون جيش تحرير؟ يحرر سيؤون من قوات مشكوك في ولائها «للشرعية» و«التحالف»، وهل ستحل النخبة محل تلك المنطقة بعتادها الذي تملكه في الساحل أم سترث العتاد بكامله؟ وهل هي مدربة على استخدامه؟ إنه يتهم المنطقة العسكرية الأولى بمسؤوليتها عن الانفلات الأمني، فهل الأمن الداخلي عند البحاح هو من مسؤولية الجيش؟ لقد بح تفكيره كما قلت.
وأخيراً، ماذا أتى البحاح ليفعل في حضرموت؟ نعم إنه ابنها وقد أتاها طريداً، وشكله يعاني من الفراغ، وليس أخطر من الفراغ من مفسدة، يزور هنا ويجول هناك، ولا نعرف بأي صفة ولا لأي مهمة، وربما هو غير مستوعب لسقوطه، وما زال يتقمص الأدوار السالفة، إنه فعلا يستحق الشفقة، لكن يقال إنه صار يربك بذلك مهام السلطة المحلية، بل يقلقها وقد يثير غيظها، لكن لعل عذره أنه يرى القائمين على تلك السلطة هم من بلدياته، وشعاره كلنا في الهَم شرق (بتفخيم الهاء)، وقد حضر احتفائية ذكرى الهبة في الشحر، أظن لأنه لا يريد أن يشعر أنه ذهب بعيداً، بل انتقل من العاصفة إلى الهبة، فكأنه يتنقل من موقع لآخر على بساط الريح.

التعليقات