«ليست السقطرية لغة ولا لهجة، والدولة لم تكلّف نفسها بدراسة هذه اللغة، أو الاهتمام بالموروث الشفاهي السقطري، أو تقديم الدعم للباحثين المحليين لدراستها بأي شكل كان. معظم ما يطلق عن اللغة السقطرية من أحكام سلبيّة أو إيجابيّة إنما هي ناتجة عن مماحكات وصراعات سياسية، ليس من هدفها جوهر اللغة السقطرية، وسقطرى، وإنسان سقطرى، بقدر ما يتمثل هدفها خدمة أمور سياسية تخص أصحابها فقط». الكلام هنا للصحافي والناشط والباحث السقطري عبدالكريم قبلان، وفي ما يلي الكثير مما كشفه في حوار مع «العربي».
السقطرية طريقة للتواصل بين سكان سقطرى، هل هي لغة أم لهجة؟ هل بالإمكان تعريفنا ببعض تفاصيلها؟
كثر اللغط في الآونة الأخيرة بشأن اللغة السقطرية ومكانتها وجذورها، فهي لغة ضاربة في جذور تاريخ الإنسانية، وقد عانت السقطرية هجمة تشويه كبيرة لغرض إفقادها أصالتها؛ لأن هناك من سعى ولا يزال يسعى إلى تشويهها والطعن فيها، وإلقاء التهم ضدها، هؤلاء لا يدركون أن السقطرية تحمل هوية السقطري وإرثه، فضلاً عن الإرث القديم للّسان العربي قبل نزول القرآن الكريم.
وتجدر الإشارة إلى أن اللغة السقطرية ما تزال تعاني من الإهمال نتيجة لأسباب متعددة، لكنها ما تزال حية وفاعلة على عكس معظم اللغات التي انقرضت، وقد أسهم في إهمال اللغة السقطرية تصاعد خطر ما يعرف اليوم بـ«الهويات القاتلة» في العالم العربي، وكذلك ظهور نزاعات العصبية التي دفعت عدداً غير قليل ممن لهم اليد الطولى في صياغة معاجم اللغة، وهم كثر هنا وهناك، إلى إبداء وجهات نظر حولها دون إدراك بها معرفة أسراره، والعجيب أن اللغة السقطرية ما تزال محافظة على معظم المفردات التي وردت في القرآن الكريم، برغم إهمال استعمالها من قبل اللغة العربية نفسها، وتلك الكلمات بمجامعها اللغوية ما هي إلا رموز للغة حية قابعة في المحيط أرادوا طمسها والطعن في هويتها.
هنالك من يقول إن اللغة السقطرية منطوقة لا مكتوبة، هل هذا صحيح؟
أتفق معهم في ذلك، اللغة السقطرية لا تكتب، وهذا لا يعني أنها تبتعد عن أصل اللغة العربية الجنوبية السامية في حال كانت السامية هي الجذر، ولقد حدد الباحث السقطري عبدالعزيز الدهري بن قطن في كتيبه «أعلام البرية باللغة السقطرية وما ورد عنها في اللغة العربية»، أن السقطرية غنية بالأصوات المستقلة، والأحرف الزائدة، وصفات لغوية خاصة بها، مما يرشحها لأن تكون لغة بحد ذاتها حية باقية من اللغات الجنوبية العربية القديمة.
لكن هل هي مستقلة كليا عن العربية؟
نعم... السقطرية لغة مستقلة حافظت على أصولها وعلى فاعليتها، فهل تعلم أن فطاحلة العرب يسمون اللغة العربية القديمة بـ«لغة الضاد»، والضاد هي أصل عمق اللغة السقطرية، وهناك ما يسمى به في سقطرى كشجرة السدر التي تسمى باللغة السقطرية «ضاد»، إذن سمِّ السقطرية ما شئت لغة أو لهجة!، فإننا نجزم بأنها لغة وليست لهجة، وعلينا أن نقنع من لا يقتنع ونثبت ذلك لمن يريد الإثبات، وما لنا في الأخير إلا أن نقول: جزيرتنا أجمل.. تراثنا أفضل.. ولغتنا أصيلة باقية حية في لسان أهلها.
تمتاز سقطرى بغزارة الموروث الشفاهي والعادات والتقاليد الفريدة... هل تقومون بجمع هذا الموروث ودراسته؟ وهل تدعمكم الدولة في ذلك؟
أكيد أن سقطرى تمتاز بإرث فكلوري متعدد وهو لا يزال شفهيا، وهناك مهتمون من أبناء سقطرى يعملون على جمعه وتدوينه، برغم خذلان الدولة لهم وتسييس الحكومات والأنظمة المتعاقبة لهذه المسألة من دون اهتمام بجوهرها، فالدعم غائب، ولا يشجعون الباحثين والمهتمين، وكل ما نقوم به هو بجهود ذاتية.
يقال إن السقطرية بقايا للغة اليمنية القديمة، إلى أي مدى ذلك صحيح؟
الحقيقة أن هذه المسألة ما تزال قيد البحث من قبل باحثين متخصصين من أبناء الجزيرة، ولم يتوصلوا بعد إلى حقيقة واضحة، لكن الأهم من ذلك هو أن الجميع لم يهتموا بدراسة هذه اللغة على الصعيد الرسمي، ولم تبذل الدولة جهوداً لدراستها فهي ما تزال مهضومة مثلها مثل «اللغة المهرية» مع أسفنا الكبير، فمن يدعي أن تلك اللغتين هما من إرث سالف الأجداد يعمل على تحطيمها ونسيانها بشكل مجحف، دونما أدنى سعي إلى الاهتمام والاعتناء بهما.
وعموماً هنالك من يرى أن هاتين اللغتين أصل للغة اليمنية القديمة، وهناك من يرى أنها سابقة لها، بل البعض قال إن السقطرية والمهرية لا علاقة لهما باليمنية القديمة، ولطالما المسألة هكذا وقد أخذت حيزا من الخلاف و المماحكات والمهاترات السياسية الممنهجة، فإن الأمر يتطلب منا التريث والانتظار للمضي قدما نحو السعي وراء كشف الستار عن أمور يعتريها الغموض من خلال البحث في هذا المجال.
ختاماً... هل هناك نقاط التقاء بين السقطرية والعربية الفصحى؟
السقطرية على أوجه كثيرة في التشابه مع الفصحى، ولهذا هناك عدد من الكلمات تتوافق لفظاً ومعنى مع العربية وأخرى تتفق لفظاً وتختلف في المعنى، وهناك عدد من الكلمات تتفق لفظا ومعنى ولكنها قد تكون مبهمة عند أهل العربية من دون السقطرية من حيث اللكنة، لكن لو ركز أهل العربية أو المهتمين في هكذا أمور لاتضحت لهم الحقيقة، وهي حقيقة هذا التشابه، والحقيقة نجد عندما نغوص في جذور الكلمات والألفاظ أن السقطرية بحر لا شاطئ له فهي أصل أصيل، وجذر لعروبة العرب القدامى.

التعليقات