بالقرب من سوق علي صالح لبيع القات في حي القبة وسط مدينة تعز، يجلس الحاج ناصر محمد (60 عاماً) على كرسيه ليبيع القات كل يوم منذ العاشرة صباحاً وحتى العاشرة مساء. في هذه السوق، كثيراً ما تندلع اشتباكات مسلحة بين مسلحين يتبعون نافذين في القوات الموالية للرئيس علي عبدالله هادي و«المقاومة الشعبية» بتعز، وبين حراس السوق أو بائعي القات. وفي كل مرة يختطف رصاص المواجهات أرواح مرتادي السوق الأبرياء من الحياة، تاركاً آثاره على بعض المنازل والمحلات التجارية.
معاناة وخوف
يتحدث الحاج ناصر لـ«العربي» عن حالة الخوف والهلع التي يعيش تفاصيلها يومياً، بعدما قتل وأصيب بعض أصدقائه الذين يبيعون القات في ذات السوق، وذلك جراء شظايا الاشتباكات المتكررة.
يقول ناصر: «مع كل طلقة رصاص أشعر بالخوف، فأنا معرض مثلهم لخطر الإصابة بالرصاص، لكن ليس لي طريق آخر أعمل بها بعد توقف الراتب، لأوفر لأسرتي ما يكفيهم من المأكل والمشرب».
ويؤكد أن «ما يربحه لا يتعدى مبلغ 5 ألف ريال يمني يومياً، بسبب الأتاوات التي يفرضها عليهم مسلحي النافذين».
ويشير إلى رحلة أخيه الأصغر، سليم، الشاقة التي يتكبدها لجلب القات «من المزارع الواقعة شرق المدينة، من ماوية أو الحوبان، عبر طرق وعرة وطويلة، تستغرق أكثر من 10 ساعات ذهاباً وإياباً»، مضيفاً «ليست وعورة الطريق وخطورتها وحدها ما يتكبدها سليم في رحلته، بل أن إدخال القات إلى المدينة، يقتضي دفع مبالغ باهظة في كل نقطة أمنية يمر عبرها».
أجبرت الحرب الحاج ناصر والكثيرين ممن فقدوا وظائفهم على خوض تجارب شاقة في الحياة من أجل البقاء، لكنهم في الغالب إن لم يلاقوا حتفهم، برصاص مسلحي مافيا النفوذ، لم يسلموا من بطش أتاواتهم المرهقة.
جباية بقوة السلاح
ويشكو الكثير من ملاك أسواق القات في وسط المدينة من فرض بعض القيادات العسكرية النافذة للأتاوات من دون أي مبرر، وتحت تهديد السلاح.
يروي مالك أحد أسواق القات بالمدينة، في حديث إلى «العربي»، أن «أطقم عسكرية تتبع قيادات بالجيش والأمن تفرض عليه أتاوات بشكل يومي كضرائب بلا أسناد ولا تكليف من إدارة الضرائب»، مؤكداً أن «مكتب الضرائب هو الآخر يأتي بمكلفين من قبله، يطالبوننا بتسديد الضرائب، فنضطر أن ندفع لهم مرة أخرى».
ويتابع «رفضت أن أدفع لمسلحي تلك القيادات بعدما سددت المال لمكتب الضرائب وعرضت لهم سندات القبض، فقالو نحن نشتي حقنا، إدفع وإلا بنحرق السوق!»
أتاوات غير قانونية
من جهته، أفاد مصدر مسؤول في مكتب المالية بالمحافظة، رفض الكشف عن اسمه، بأن «هناك جبايات غير قانونية تفرض على ملاك المحلات التجارية وأسواق القات والخضروات والفواكه»، مؤكداً أن «محافظة تعز تعاني من سطو متنفذين بعضهم مسؤولين بالمحافظة على الإيرادات».
وأشار المصدر الذي فضل عدم الكشف عن اسمه خلال حديثه لـ«العربي»، إلى أن «80% من الإيرادات تذهب لحسابات خاصة لنافذين في المحافظة».
ضحايا... وحصار
لا يكاد يمر أسبوع في المناطق الآهلة بالسكان والقريبة من أسواق القات بمدينة تعز، إلا ويسقط فيها عدد من المواطنين ضحايا المواجهات العبثية، والتي تعتبر صورة فاضحة لغياب الدولة وحضور «مافيا» السلب والنهب وفرض الأتاوات.
محمد حمود، أحد سكان حي الأجينات، اعتبر في حديث إلى «العربي»، أن «تواجد أسواق القات وسط الأحياء الأهلة بالسكان، خطر يتهدد أرواح الناس ويقلق السكينة العامة»، موضحاً أنه «بعد إغلاق سوق ديلوكس للقات انتقل عدد كبير من بائعي القات إلى سوق علي صالح، في منطقة الأجينات وافترشوا الشارع أمام عمارات كبيرة مكتظة بالسكان».
وأضاف «هذا الأمر بالطبع جلب معه المشترين للقات والذين معظمهم مدججين بالسلاح، وفي وقت الذروة تتوارد السيارات العسكرية بأسلحتها المتوسطة».
وأكد حمود أن «الخلافات المتكررة بين المسلحين وبائعي القات والتي تصل في كثير من الحالات إلى مواجهات مسلحة، يصبح خلالها سكان الحي محاصرين في منازلهم، فلا يستطيعون الخروج حتى تتوقف الاشتباكات».

التعليقات