لم يشهد العالم زخماً احتفالياً بالعام الميلادي الجديد كما شهد هذا العام. الإعلام الدولي، سيما الناطق بالعربية، وعلى اختلاف تخصصاته، اهتم بتغطية مشاهد احتفالات المدن العالمية باللحظات الأولى من العام 2019. كما اهتمت قنوات إخبارية، أكثر من أي وقت مضى، بعرض حصاد شامل لأبرز الأحداث والإنجازات في مختلف دول العالم خلال العام 2018. بعض القنوات كرست أيضاً برامج حوارية في استوديوهات تزدان بشجرة الميلاد، بينما تحدث فيها ناشطون مدنيون وسياسيون عن تقييمهم لأبرز التحولات في العام 2018، وتطلعاتهم في العام الجديد. موجة الاحتفالات الاستثنائية هذا العام شملت مواقع التواصل الاجتماعي التي اشتعلت بالأمنيات الخضر، رغم السوداوية التي تصبغ العالم.
هذا الاحتفاء غير المسبوق بعام جديد، يظهر توق شعوب العالم إلى حياة أكثر استقراراً وتعايشاً وسلاماً عادلاً لجميع القضايا المصيرية. بدا كما لو أن غالبية المقهورين في أنحاء العالم ركنوا مشاعرهم السلبية جانباً واستجابوا لنداء التفاؤل الذي تومض به مصابيح شجرة الميلاد. حتى أولئك المتشددين دينياً إزاء «أعياد النصارى» بدوا كما لو أنهم تعمدوا خفض أصواتهم قليلاً أمام الاحتياج الإنساني للتفاؤل. من غير الواضح إذا ما كانوا فعلوا ذلك نتيجة سأم فعلي من لا جدوى العداء الديني مع الغرب، أم بسبب غلبة صوت الشعوب التي سئمت الحروب الدينية؟
في كلا الحالتين، يمكن للقادة المتحمسين لتصدّر التحولات الكبرى، على اختلاف دياناتهم، أن يحدثوا أثراً نوعياً يدفع عملية التحول المنشود إلى الأمام. غير أن ذلك ما لم يتحقق من أمنيات عشرات الأعوام الماضية. هل نستطيع أن نقول مئات السنين؟ وما المانع؟ فالصراع الديني يبدو إرثاً بشرياً منذ حروب زيوس وهيرا. وفي عصرنا، تبدو غلبة الهيمنة على العالم لصيقة بأصحاب التقويم المعتمد لتنظيم سير الزمن والحياة.
هذه إذاً ذروة القوة المهيمنة للتقويم الجريجوري، ومازال بإمكان بابا الفاتيكان أن يلوح بعودة الكنيسة لممارسة السياسة. في اللحظات الأولى من يناير 2019، وقف البابا فرنسيس وقال إن «السياسة ليست حكراً على الحكام»، في إشارة إلى فساد حال «الحكم الرشيد» في العالم. ولم ينسَ البابا القادم من أمريكا الجنوبية أن يذكّر هؤلاء الحكام بكون الأول من يناير بالنسبة للكنيسة، هو يوم عالمي للسلام.
إلى ذلك شهد الأول من يناير هذا العام، زخماً سياسياً بحيث لم يعد هذا اليوم تاريخ ميلاد من لا يعرف تاريخ ميلاده وحسب، بل جرى الاحتفاء به من قبل حركة فتح كتاريخ تأسيسي للنضال الفلسطيني. وعلى الجانب الإسرائيلي، احتفى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، بالأول من يناير، في فعالية تنصيب أول رئيس برازيلي يجاهر بميله لإسرائيل على حساب حق الفلسطينيين في الحياة. وتزامناً مع هذا الحدث، أعلنت كل من أمريكا وإسرائيل انسحابهما من منظمة «اليونسكو» على خلفية اهتمام الأخيرة بالتراث الفلسطيني. رغم ذلك، ففي خلفية الصراع الديني الذي أصاب حكومات العالم، تسعى إسرائيل على استحياء لإشهار تقويمها الخاص في وجه التقويم الجريجوري. ربما لم يحن الوقت ليس إلاّ.

التعليقات