أتحدّث في هذه المقالة عن الشاعر والباحث اليمني المعروف هاني جازم الصلوي، الذي أضاء ليلة شعرية ونقدية في «منتدى الشعر العربي» في القاهرة في السابع من يناير 2019، حيثُ قرأ منتخبات من نصوص ديوانه الأثير «لا كرامة لمستطيل»، والصادر عن دار «أروقة»، وقد تصدَّر لتقديم القراءات النقدية العميقة للديوان كل من النقاد: د. محمد السيد إسماعيل، والشاعر علوان الجيلاني، ود. مدحت صفوت، وأدار الأمسية الأستاذ الأديب علي عطا.
وأثمرت تلك الأمسية الكثير من الجدل الرائع حول الديوان، الذي يقع – حسب تقديري - في صدارة مدونة الشعر اليمني المعاصر. الديوان الذي عبر عن تجربة الصلوي وإبداعه الشعري بصورة رائعة، كما عبر عن توق الشاعر للاشتباك الدائم مع الفن والشعرية واللغة. الديوان الذي يظهر أن الشاعر قد خاض بمهارة في حقله، مهارة تضعه شريكاً فاعلاً مع تجارب عربية وعالمية في مضمار شعر ما بعد الحداثة .
لقد أدهشنا الصلوي بمراوغاته اللغوية الواعية، ابتداء من العنونة «لا كرامة لمستطيل»، متبوعاً بعنوان فرعي «ذلك الغيورة»، وهو ضرب في اللغة يقوم على إرث سابق في اللغة العربية، وبعض اللهجات في ما يخصّ التذكير والتأنيث (تأنيث المذكر و تذكير المؤنث)، كلهجة أهل تعز في اليمن، مثلاً عندما تقول: (حرمة مليح...الخ).
وقد جاء الديوان مكتنزاً بالالتفاتات الشعرية والإشارية التي تجعل النص أكثر إمتاعاً وتفاعلية مع القارئ:
«كان الحزن إلهاً قديماً
ويُدعى الفرح ......
اعتاد أن يبعث بإبنيه
البهجة والضحك في الليالي المدلهمة
إلى البرية ليزرعا أشجار الظل والزينة»

( الديوان ص- 49)
محورية المكان في كثير من النصوص:
«أدين لتعز بثورة شرهة، لهناء بعشرين ريالاً...»
المكان تيمة محورية في الديوان، ذلك لأن الشاعر كتب نصوصه بعيداً عن مضاربه في اليمن، تائهاً بعدما غادر مدينة القاهرة، مستقره الأثير، متجهاً «صوب افريقيا، المفرّقة قبل أن تغدو تونس التي تؤنس وتؤم دون غيرها...» كانت 130 يوماً بين علي درغوث والمختار عطية، ومن خلال «نهج إبن خلدون» بين «قمّرت والحبيب بورقيبة»، بين «الهوارية وزغوان...» (الديوان ص- 9).
ديوان الصلوي يضج بالمفاجآت التي لا تنحصر في الشكل والبنية الخارجية للنصوص، وإنما على مستوى التزاحم في الصور الشعرية والاشتباك الدائم مع الذهنية والفكر. الأمر الذي دفع بي في انطباع أولي أن أطلق على الديوان بأنه شعراً نيئاً، وليس في ذلك انتقاص ولكنه تعبير عن أن الخام الشعري الذي توفر عليه الديوان يمنحه هذه الصفة، بمعنى أنه شعراً قابلاً للمزيد من الاشتعال والتألق. وربما كان هذا الملمح من ملامح الجمال، حيث تكون القصيدة نيئة ولم تستقر بعد ولكنها تشعّ بالفن والجمال...
وقدم النقاد المشاركين بخبرة العارف في ميدان نقد شعر ما بعد الحداثة الكثير من الإضاءات التي يسرت على مدى ساعتين تقريباً، خلق حالة تفاعلية رائعة مع نصوص الديوان والتي كان من أبرزها قصيدة «الموعد»، والتي تحمل عنواناً فرعياً، كعادة الشاعر في التماعاته وإحالاته المفارقة. «الموعد» أو «الروشتة بتعبير غير دقيق. أو حتى لا نتمادى فينا»، ومن أجوائها:
«لا تمت في الصباح الباكر
سيتهمونك بالمثابرة والإخلاص
لا تمت في الظهيرة
سيقولون إنك مغرم بالوضوح والفضيحة
لا تمت ساعة الغروب الذهبية
سيدّعون أنك مصاب بالمراوغة والرومانسية
لا تمت في الليل
سيشيعون أنك مغرم بالدسيسة
والخفاء.
مت في الصباح الباكر
حيث تشبه الشمس نفسها تماماً»

(الديوان ص 30 – 31).
لقد كانت ليلة من أجمل ليالي الشعر اليمني في مصر بامتياز، ليلة هاني  الصلوي ومستطيله الذي «لا كرامة له...»، فشكراً له ولـ«منتدى الشعر العربي» في القاهرة.

*استاذ علم الاجتماع الثقافي، كلية الآداب – جامعة عدن.

التعليقات