لم يكن أمام بعض اليمنيات اللواتي فقدن معيل الأسرة، إلا مواجهة تهديد خطر المجاعة لبلادهن من خلال تحدي المجتمع باتخاذ صيد السمك مهنة، بعد أن كانت حكراً على الرجال فقط. ففي منطقة رأس العارة التابعة لمحافظة لحج جنوب اليمن، قامت نحو مئة أرملة بإعالة أسر كبيرة وخوض غمار البحر بحثاً عن لقمة العيش.

 
يخرجن هؤلاء السيدات في الساعة السادسة صباح كل يوم، لاصطياد رزقهن من أعماق البحر الأحمر. لا يستخدمن تلك المعدات الضخمة التي يستخدمها أي صياد محترف كالقوارب الكبيرة والشباكات والصنارات، بل يستخدمن قوارب صغيرة وخيوط رقيقة تلقينها في الماء علها تخرج لهن رزق يوم جديد يبقيهن مع ذويهن على قيد الحياة.
تتنقل الخمسينية نعيمة راجوح، التي تعيل 14 شخصاً بينهم 4 أطفال تحت سن العاشرة، بين مرفأ الصيد وسوق الحراك للأسماك.


وتستهل نعيمة راجوح ذات الوجه الشاحب الذي يبدو عليه الإرهاق والتعب، حديثها مع «العربي» بالقول: «زوجي توفي، ولا يوجد لدينا أي مصدر دخل يبقيني أنا وعائلتي على قيد الحياة».
الظروف المعيشية الصعبة التي تعيشها نعيمة وعائلتها، هي التي دفعتها للعمل في مهنة لم تعمل فيها من قبل، ولم تكن تعرف عنها أي شيء، بحسب تعبيرها.  وتقول: «عندما اتجهت إلى العمل في مهنة الصيد كنت أعرف أنها الأفضل في بيئتي لأن البحر مفتوح للجميع وعليّ أن استغل ذلك من أجل الحصول على مصدر دخل مضمون ومستمر».


وتتابع راجوح: «في الساعة السادسة أذهب إلى العمل وأعود إلى سوق الحراك للأسماك في الساعة العاشرة وأحياناً في الثانية عشر وفي بعض الأيام أعود العصر، أبيع الكمية التي حصلت عليها ومن ثم أعود إلى المنزل».
وتؤكد راجوح: «عندما حصلت على المال من عرق جبيني أصبحت امرأة قوية لأن المال هو من يصنع لي مكانة في المجتمع الذي أقطن فيه، ويجعل رواد السوق ومن يعملون فيه يحترموني ولا يقدمون على أي تصرف قد يزعجني».
وتحصل نعيمة التي تغيب عن المنزل لمدة قد تصل إلى 14 ساعة في اليوم، على 10 ألف ريال يمني، أي ما يعادل 20 دولاراً أميركيا، وهذا المبلغ يجعل حالها المادي أفضل من النساء العاطلات عن العمل.  وتقول: «الحمدلله، هذا المبلغ الذي أحصل عليه يبقيني على قيد الحياة. أشتري به احتياجات المنزل كالأرز، والدقيق، والسكر».
بورصة السوق
نحو 100 أرملة يعملن في مهنة صيد وبيع الأسماك، وعملهن هذا جعلهن جزء لا يتجزأ من بورصة السوق.
يقول الثلاثيني قائد صالح، أحد الصيادين، في حديث مع «العربي» إن «النساء اللواتي يعملن في الصيد وبيعه قويات، ونكن لهن كل الاحترام والتقدير. عندما شاهدتهن أول مرة في وسط البحر يقمن بالصيد لم أصدق ذلك، اقتربت منهن وتحدثت معهن ووجدت فيهن عزيمة وإصرار».

 
وتابع صالح: «عندما أدخل البحر في الصباح الباكر أجدهن في عمق البحر، بكل نشاط وحيوية دون كلل أو ملل».
لا يخشين هؤلاء النساء البحر وأمواجه، بل ارتبطن فيه، وأصبحت حياتهن مرتبطة أيضاً مع حسابات المد والجزر ومواسم الصيد. عند التحدث إليهن، يتحدثن إليك بثقة وثقافة عالية، وبلغة الصياد المحترف في مهنة صعبة، ويشعرنك بأنهن يستطعن عمل المستحيل من أجل البقاء على قيد الحياة.

التعليقات