الدكتور عبد الله سعيد باحاج، من الوجوه الفاعلة في نهضة حضرموت الثقافية المعاصرة، وهو يتوقد نشاطًا في مسيرته المتواصلة لرفد حضرموت بكل جديد في مجال التأليف أو النشاط الثقافي والاجتماعي، وهو فوق ذلك رجل جامعي أكاديمي، ومع ذلك فهو حريص على التقرب ممن يتوسم فيهم ميولاً للعمل لأوطانهم.
عرفت الدكتور باحاج محبًا للكتاب، وكانت هذه المحبة أول سبيل لتعرفي عليه عبر منتداه «ملتقى حضرموت لمناقشة المؤلفات والمخطوطات اليمنية»، لذلك لم يكن أمراً مفاجئاً أن يهتم بحكاية الكتاب في حضرموت ورصد انعطافاته التاريخية التي توجت بصدور كتابه «الكتاب في حضرموت.. أضواء على مسيرته التاريخية وكيفية العناية به»، عن «دار دوعن للدراسات»، وانتقيت الكتاب وأنا عهدي بالدكتور حرصه على أكاديمية أبحاثه وكتبه، وتحمسه لمعايير البحث العلمي.
ولكنني عند اطلاعي على الكتاب لم أجد فيه النفس الأكاديمي الذي عهدته، لما اعتور الكتاب من ندوب أضعفت ملامحه، من حيث دقة المعلومات والنظر الصحيح في المراجع والمصادر، وقد تركز هذا الضعف عند حديثه عن الطباعة في حضرموت صحفًا وكتبًا.
ومما أورده تأكيده لريادة كتاب «شخصيات حضرمية» بوصفه أول كتاب يطبع بحضرموت سنة 1958، لمؤلفه المؤرخ سعيد عوض باوزير، لكنه عاد فأشار إلى اطلاعه على كتاب مطبوع في المكلا، مقدمته مؤرخة بعام 1954، ثم تركنا في حيرة من موقفه من هذا الكتاب، هل يلغي ريادة الكتاب المعلن سابقًا؟ وما دلالة تاريخ مقدمته، هل بالضرورة أن يتساوى تاريخ كتابة مقدمة الكتاب مع تاريخ طباعته، لقد اكتفى بالقول إنه أورد تلك المعلومة بقصد «الإفادة والذكر»، بينما لم نستفد منها سوى التشكك من ثبات المؤلف حول ريادة كتاب الشخصيات، وكان قد اهتز موقفه قبلها بما أورده عن رسالة علمية أفادت بوجود كتاب مطبوع للمؤرخ محمد عبد القادر بامطرف، عن المجالس المحلية، طبع في عام 1954، أي متقدماً على كتاب «الشخصيات» بثلاث سنوات، إلا أن كتاب بامطرف، قد صودر مع سائر مفقوداته، أو كما قال المؤلف «فقد هذا الكتاب وضاع عند بعثرة وإتلاف محتويات المكتبة الخاصة لبامطرف، وذلك مع الفوضى التي حدثت بعد الاستقلال مباشرة عام 1967».
لكن الدكتور نسي قبل أن يفسر لنا غياب الكتاب، أن يفسر لنا سر وجود نسخة واحدة منه، وهو كتاب مطبوع يفترض أن يكون قد طبعت منه عشرات النسخ، والظاهر أن المطبعة التي طبعت الكتاب ما إن انتهت من طبع أول نسخة منه حتى «طاف عليها طائف من ربك فأصبحت كالصريم»، فما كان من بامطرف، إلا أن يتلقف متلهفاً تلك النسخة ويودعها مكتبته! هل هذا كلام يعقل؟ أين الدكتور وأين حصافته الأكاديمية من هكذا مراجع أو مصادر؟ إن صح أن توصف بذلك.
أما حديثه عن أول طباعة للصحف في حضرموت، فرأى أن أول صحيفة مطبوعة صدرت بحضرموت، كان منشؤها منطقة مسيلة آل شيخ بقرب تريم، وهي صحيفة «السيل»، وذلك سنة 1911، ثم أشار في اعتماده في ذلك على مذكرة للباحث عبد القادر بن شهاب، والحقيقة أنني من الناحية العقلية لم أقبل هذه المعلومة التي ينكرها من له أدنى اطلاع على أوضاع حضرموت في تلك الآونة، ولكنني مع ذلك سعيت للاتصال بالباحث المذكور، فلما أبصرت مذكرته وجدته يقول: «بدأت أول محاولة لإصدار مطبوعة صحفية هي السيل»، فكلمة مطبوعة أشكلت على الدكتور فأخذها على ظاهرها والتقط تلك المعلومة وسلم بها، بينما الباحث بن شهاب أراد معنى أنها صحيفة منشورة أو صادرة فلم يكن دقيقًا في لفظه، بدليل قوله عن صحيفة حضرموت التالية لها في الصدور بتلك القرية نفسها: «صدرت تلك المطبوعة كأول صحيفة خطية أسبوعية في حضرموت» فانظر إليه كيف وصفها بأنها مطبوعة وخطية في آن واحد، فبحثه هذا لم يكن دقيقًا لا في مفاهيمه ولا في معلوماته، ثم إنه خال من أي مصدر أو مرجع، وإنه لأمر مستغرب أن تصدر صحيفة مطبوعة في تلك الفترة المبكرة بتلك القرية النائية، فمتى دخلت المطبعة إليها وعلى يد من؟ ولماذا صدر ما تلاها من صحف في وادي حضرموت خطياً؟ ثم إن سائر المؤرخين ومن بينهم محمد عبد القادر بامطرف، نصوا على كونها خطية.
ثم بنى الدكتور باحاج على خطئه في أولية الطباعة لصحيفة «السيل» خطأ آخر، حين قال «أما في ساحل حضرموت فقد تأخر صدور الصحف المطبوعة فيه لما يصل من عقد ونصف من الزمن»، إنه غلط مبني على غلط، ففي مسيره الزمني نجده انتقل من ذكر صحيفة «النهضة الحضرمية» التي تعد بحق أول صحيفة مطبوعة في حضرموت بصدورها سنة 1927، انتقل إلى ذكر صحيفة «الأخبار» الصادرة سنة 1953، من دون أن يشير لمجلة «المنبر» التي صدرت سنة 1937، وهي أول صحيفة مطبوعة تصدرها أياد حضرمية، كما فاته الإشارة إلى الطباعة الحجرية التي طبعت بها أعداد من صحيفتي الحلبة والإخاء في نهاية الثلاثينيات في وادي حضرموت، ومجلة المكلا الصادرة سنة 1942.
 وبالعودة إلى صحيفة «الأخبار»، ذكر الدكتور باحاج أنها «كانت تطبع في مدينة عدن وليس في مدينة المكلا»، وبرر ذلك بعدم وجود مطبعة مناسبة لها في المكلا، ثم سكت الدكتور ولم يخبرنا بمرجعه عن هذه المعلومة، علماً أن مؤلف كتاب «عهد السلطان صالح»، وهو أحد مراجع الدكتور، قد نص على أن طباعتها كانت في مدينة المكلا، والشواهد تؤيده بوجود مطبعة بحضرموت حينها، وقد ذكر الدكتور أن من ثمار هذه المطبعة صدور صحيفة «النهضة الحضرمية للطيب الساسي، ومجلة المنبر»، وليس ثمة ما يمنع أن يكون من بين ما طبعته صحيفة «الأخبار».
ثم ذكر الدكتور الصحف التي توالت في الصدور بمدينة المكلا من نهاية عقد الخمسينيات حتى عام النكسة، وهي صحف «الطليعة والرائد والرأي العام والجماهير»، ومما ذكره في هذا السياق أن صدور صحيفة «الرأي العام»، كان في شهر يونيو سنة 1963، والصواب أنه في شهر يوليو باللام لا بالنون، وربما كان هذا خطأ طباعياً، لكن ما ليس خطأ طباعياً قول الدكتور إن صحيفة «الطليعة» قد توقفت عن الصدور منذ «يوم الأحد السابع عشر من سبتمبر 1967»؛ لأن هذه الصحيفة واصلت صدورها بعد هذا التاريخ لعدة أعداد حتى تم اغتيالها في عنفوان مجدها بأمر توقيف قسري.
وفي الأخير نود القول إننا نكن للدكتور عبد الله باحاج، كل ود وإجلال، وما هذه سوى ملاحظات تلميذ لأستاذه الكبير، فإن أصاب فيها فما هي إلا من ثمرات التلمذة له، وكل أمله أن يرى طبعة قادمة أدق وأشمل وإن الدكتور على ذلك لقدير.

التعليقات