يعتبر سعيد الجريري علامة فارقة في المشهد الثقافي الحضرمي، والسياسي أيضا، فهو المثقف المتنوع، والأكاديمي المتنور والمنور، وهو المبدع المتعدد والمجدد على صعيد المواضيع الأدبية وطرائق بنائها أيضا، وهو صاحب وجهات نظر سياسية ثاقبة وفاحصة ومتأنية لا يمكن تجاوزها أو الاستغناء عنها.
ولد الجريري في 1962 بالديس الشرقية–حضرموت، وتحصل على الدكتوراه في الأدب الحديث والنقد من «الجامعة المستنصرية» في بغداد، وعاد إلى حضرموت ليعمل أستاذاً مساعداً في «جامعة حضرموت»، وقد أسهم بشكل فاعل حتى غادر حضرموت إلى المنفى في عام 2014.
المعلِّم المتعدد
يقول الدكتور طه حسين الحضرمي، أستاذ السرديات في «جامعة حضرموت» في حديث خاص مع «العربي» عن الجريري رفيقاً وصديقاً وعالماً إنه «ليس من السهل الحديث عن قامة فكرية متميزة مثل الدكتور سعيد سالم الجريري. كما أنه ليس من اليسير الولوج إلى عوالمه الساحرة المترعة بالفكر والإبداع». ويتساءل الحضرمي: «ألهذا تكون عصيّةً عوالمُ المفكرين والمبدعين؟»، مؤكداً أن «الاقتراب منها ضرب من المجازفة، والولوج إليها استحالة ما بعدها استحالة».
ما يؤكده الحضرمي هنا ليس نتيجة لمنزع عاطفي أو ذاتي، بل هو نتيجة لتعدد الجريري معرفياً وتزاحم المواهب لديه، فهو كاتب ومفكر، وباحث، وسياسي، وهو خطاط، ورسام، وشاعر فصحى وعامية وشاعر غنائي أيضاً، وقد غنى روائعه فنانون كبار وهو ما يزال في ريعان شبابه.
يتحدث الحضرمي عن رفيق دربه وذكرياته معه وبديات معرفته به قائلاً: «عرفته في مستهل مرحلة الشباب؛ في المرحلة الفارقة بين أن نكون أو لا نكون: مرحلة الحيرة والاضطراب وتعدد الاختيارات وتنوعها. كان اللقاء الأول في أحد مكاتب التدريب والعمليات بمعسكر القوات البحرية وقد سبقته إليه بعام؛ إذ كنت من مجندي الدفعة التاسعة وكان هو مستجداً من مجندي الدفعة الحادية عشرة شاباً طويلاً نحيفاً تلمع عيناه ببريق الذكاء الذي لا تُخطئه العين. يخالط ذلك لمعانٌ مجهول لم أعرف كنهه إلا بعد ذلك بسنوات. ففي أول لقاء علمت أنه الشاعر الشاب الذي أبدع رائعة (خاف الله يا حبوب تزعل بلا أسباب) التي صدح بها بلبل حضرموت الشادي محفوظ بن بريك».
ويستطرد الحضرمي: «جمع بيننا الفن والإبداع (جمال الخط والرسم) والقصة والشعر، فكانت لحظات عامرة بالمودة والإخاء، نقتنص منها لقاءات عابرة في عشيات التواهي الحالمة. فقطعها تسريحي من التجنيد لغرض الدراسة بعد عام من الأنس بالفكر والإبداع. ثم كان اللقاء الجميل على مقاعد كلية التربية بالمكلا بقسم اللغة العربية. فعاودنا الحنين إلى عشيات الأنس والمودة بالتواهي. فزادت أواصر الصداقة بيننا لولا مزاحمة بعض المحبين الذين كانوا يلتفون حوله بعد الوقوع في أسر أحاديثه الشائقة وجلساته الماتعة وعجائبه التي لا تنقضي».
كاريزما
يمتلك الجريري الذي رأس اتحاد الأدباء بساحل حضرموت منذ 2005 كاريزما عجيبة منذ صباه، كما يمتلك حضوراً كبيراً أيضاً على الصعيد الثقافي، فهو يؤثر معرفيا في محيطه، ويدفعه صوب التحول. ويقول الحضرمي: «يظل الجريري جاذباً حيوياً لمن يقترب من عوالمه الآسرة، محتفظا لنفسه بخصوصية وجدانية تفرض مسافة من المودة وهامشا من المحبة والتقدير. ينتصر على أزماته وأحزانه الدفينة بسخرية لاذعة وربما مريرة أحيانا؛ هي سرّ ذلك اللمعان الذي حدثتك عنه آنفا. يغلّف ذلك بلا مبالاة مصطنعة، بيد أنها خبيئة وجدانية لا يصل إلى أعماقها إلا مَن أبحر عميقا في محيط أبي هشام».
تعدد
وللجريري الذي أصدر خمسة كتب متنوعة مواهب متعددة، فإلى جوار كونه مثقفاً وباحثاً ومبدعاً وسياسياً، لديه أيضاً قدرة فائقة على الإقناع عبر كتاباته التي تدهش القارئ، وتترك أثراً كبيراً لديه. ويقول الدكتور محمد المحلفي الباحث في «جامعة لوند» السويدية عنه في حديثه إلى «العربي»: «تتربى الأنساق المعرفية في وعيي ببطء لكني ومنذ لحظات تشكلها الأولى وحتى هذه اللحظة تجد في كتابات الدكتور سعيد الجريري مرجعاً أساسيا لها». ويضيف المحفلي: «حين يكتب فإنه لا يضع حاجزاً بينه وبين قارئه، إذ باعتقادي إنه يمتلك قدرة عجيبة على إرضاء قارئه مهما كان مستواه التعليمي والمعرفي. وهذا لا ينطبق فقط على كتاباته الفكرية والنقدية والسياسية فحسب بل يمتد أيضا إلى كتاباته الإبداعية». ويضيف المحفلي: «خلفيته الموسوعية تتفاعل مع وعيه ورؤيته للعالم من حوله؛ لذلك تنعكس هذه المعرفة على شكل كتابات ترضي جميع القراء وتعطيهم على قدر حاجاتهم وتظل كتاباته زوادة لا تعطي المعرفة والفن فحسب بل وأيضا تسهم في تشخيص أو ترميم الانحرافات في هذا العالم».
وعن مواهب الجريري المتعددة يقول المحلفي: «يمكن القول إن الدكتور سعيد بقدر ما يمتلك من معرفة موسوعية فهو يمتلك أيضا مواهب موسوعية أو متعددة من الكتابة نقدا وتحليلا وشعراً وسرداً وخطّاً، إضافة إلى وعيه الفكري والسياسي الذي يحاول فيه الإسهام في إصلاح الواقع بكل ما أوتي من أدوات».ولم يتوقف الجريري اللاجئ في أمستردام منذ عام 2014، عند المستوى التنظيري بل حاول أن يغير شيئاً من عادات المجتمع الحضرمي على الصعيد الثقافي، فحاول أن يغير الأنماط الشعرية الشعبية ويتجاوزها ويؤسس لمسألة هذا التجاوز على الصعيد الموضوعي والفني، فظهر ذلك في نصوصه الغنائية وشعره الشعبي. ويؤكد ذلك المحفلي بقوله: «تعد جهوده في تحديث شعر العامية في حضرموت واحدة من أكثر محاولاته جرأة داخل المجتمع الحضرمي الذي لا يتقبل بيسر التمرد على أنماطه الثقافية السائدة، لكنه في الوقت نفسه لا يصطدم مع هذا الواقع محاولا أخذه برفق إلى آفاق التحديث دون الانخلاع التام عن الجذور التي تعطي الإبداع الشعري هويته وقيمته الثقافية والحضارية».
ويختم المحفلي: «يمتلك ديوان الجريري الشعري العامي (بخيتة بنت بو ريا) قيمة فنية ريادية في تحديث الشعر العامي في حضرموت من حيث الصور واللغة والأوزان والهندسة الداخلية وتوظيف التقنيات السردية والرمز والتراث دون الإخلال بالهوية الشعرية والهوية الثقافية لشعر العامية الحضرمية».
يعتبر الجريري علامة فارقة في المشهد الثقافي الحضرمي، والسياسي أيضاً، فهو المثقف المتنوع، والأكاديمي المتنور والمنور، وهو المبدع المتعدد والمجدد على صعيد المواضيع الأدبية وطرائق بنائها أيضا، وهو صاحب وجهات نظر سياسية ثاقبة وفاحصة ومتأنية لا يمكن تجاوزها أو الاستغناء عنها.

التعليقات