مطلع القرن العشرين بلغ التنافس ذروته بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا. كانت منطقة البحر الأحمر، بضفتيه، إحدى أهم المناطق التي أسالت لعاب المتنافسين. لعابهم الذي بصقوه في وجوه شعوب المنطقة ثم في وجوه بعضهم. لقد تطلب الأمر حرباً عالمية أخرى لتجفيف أفواه المتنافسين من لزوجة الأطماع ورطانة الكلمات المخاتلة.
يذكر تشرشل في مذكراته أنه خاطب موسوليني قبيل الحرب العالمية الثانية في محاولة لتحييد إيطاليا على الأقل، لكن الأخير ذكّره بموقف بريطاني سابق بشأن التوسع الإيطالي في أفريقيا. كانت بريطانيا تتصرف كصاحبة الامتياز الأول في الموافقة أو الاعتراض على أي توسع أوروبي في الضفتين العربية والأفريقية للبحر الأحمر، خاصة بعد تفكك الامبراطورية العثمانية.
وفي أوروبا، حاولت بريطانيا الاستئثار بتركة امبراطورية النمسا والمجر أيضاً، وكان كلا الأمرين عصيان على التفهم، ناهيك عن النسيان، بالنسبة لإيطاليا وفرنسا. عندما اهتزت أوروبا بالحرب الثانية، انعتقت الكثير من شعوب العالم ووجدت طريقها للتحرر من الوصاية ومن الاستعمار.
اليوم تحاول تيريزا ماي العودة ببريطانيا إلى عظمتها السابقة، لكن ذلك محفوف بمخاطر تهدد تماسكها الداخلي قبل كل شيء. فالدولة العظمى التي تتوق للعودة إلى مجدها الامبراطوري مكبلة بارتباطاتها التي حافظت عبرها على تماسكها خلال الحرب الباردة. أبرز هذه الارتباطات عضويتها في الاتحاد الأوروبي، وأمس الثلاثاء، صوّت برلمانها بأغلبية تجاوزت الثلثين ضد خروجها من الاتحاد.
إلى ذلك، هناك لاعبون جدد وأقوياء؛ الولايات المتحدة مثلاً، وهي التي استلمت راية الوصاية البريطانية على شعوب منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا. في سياق عودة الحمى التنافسية على الأرض المشاع والبحر المشاع، قدمت بريطانيا إلى مجلس الأمن مشروع قرار بشأن تهدئة الحرب في اليمن. وبعد ما يقارب الشهر على اتفاق ستوكهولم، الذي كانت لندن أبرز الضاغطين باتجاه إنجازه، قدمت مشروعاً آخر لزيادة عدد المراقبين الأمميين لوقف إطلاق النار.
ما زال من غير الواضح إذا ما كانت المساعي البريطانية ستنجح في استعادة سيطرتها على الحديدة، بما في ذلك، الجزر التي كانت تعتبرها ملكية خاصة قبل ما يقارب 200 سنة. ذلك يعتمد على مدى استجابة أطراف النزاع الاقليمية والمحلية، وقبل ذلك، يعتمد على تسويات اللاعبين الكبار في ما بينهم.
ليست بريطانيا دولة كبرى وحسب، هي أيضاً لا تتحرك إلَّا إذا كانت تنوي المضي قدماً في سياستها إلى أبعد مدى، طالما كان لديها نفس طويل وسياسة ناعمة ومدركة لمصالحها وما تريده بالضبط. وهي تفضل بناء المستعمرات واستثمارها عوضاً عن تدميرها أو إثارة الفوضى فيها، وهذا تقريباً أحد أهم الفروق بين سياستها وسياسة الولايات المتحدة. لذلك، ليست لديها جرأة ألمانيا وفرنسا لخوض مغامرة من قبيل إنشاء جيش أوروبي، وعندما يصوّت ثلثا البرلمان ضد خروجها من الاتحاد الأوروبي، فذلك يعني أيضاً، أن معظم البريطانيين لا يشعرون بالحنين إلى «الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس». هم يفضلون على الأرجح، الاكتفاء بما لديهم من نفوذ وعلاقات جيدة مع دول الشرق الأوسط، على الانسياق وراء الجموح الأمريكي في تغيير وجه العالم.

التعليقات