حصن الفلس مبنى طيني يعود بناؤه لما قبل أربعمائة عام وذلك في عهد أقوى سلاطين «السلطنة الكثيرية»، السلطان بدر أبو الطويرق. المبنى يحكي تسجيلاً لمراحل تاريخية مرت بها المنطقة وأحداث مهمة جرت بين جنبات وسراديب ومحيط هذه الحصون والأكوات والقلاع. و«حصن الفلس» مبنى يقع على تلة صخرية كبيرة كجبل صغير انفصل عن الجبل الأكبر الذي يحمي سيئون من الشرق ويشرف على أجمل أحياء المدينة «حي القرن» الذي تغنى به الشعراء واصفين جمال بساتينه، وهو بمثابة حصن عسكري متقدم تلتقي عند أطرافه من الجنوب والشمال الغربي امتدادات سور مدينة سيئون التاريخي.
أطلال الحصن
إنهارت أسوار المبنى التاريخي حتى أصبح كالأطلال وذلك بفعل الظروف المناخية  التي كان لها تأثير كبير في الإنهيار وخاصة أن الحصن بني بالطين والمدر «التبن»  وهذه المواد تتأثر كثيراً بفعل الأمطار  كما يقول معلم البناء الطيني «سعيد مبروك» في حديثه لـ«العربي» والذي أوضح فيه أن «الحصن ذو بنايه طينية والتي بنيت بها غالبية بيوت مناطق وادي وصحراء حضرموت، حيث يقوم العامل برص اللبنات ويضع بينها طين ممزوج بمادة (التبل) التي تستخرج من نبات البر بعد حصده ، وهذه المواد سرعان ما تتأثر من مياه الأمطار إن لم يتم ترميمها بين وقت و آخر».
النبوءة تتحقق
تنبأ الشاعر المرحوم عمر عوض بارمادة، في قصيدة غنائية ألفها في أواخر السبعينات من القرن الماضي قصة الإهمال الذي يتعرض له هذا الحصن في إسقاط شعري غامض يستحضره اليوم كل من يزور أو يشاهد حصن الفلس هذا الحصن الشامخ وقال في الأبيات:
عزوك يا حصن الفلس ردوك لاصف المآثر * القوا لحيطانك ملس
من بعد ما قد كنت داثر *وتفننوا كل نقش برع وداخل في السقوف
نبوءة تحققت في العام 2005 حيث اعتمد الراحل عبد القادر علي هلال، والذي كان محافظ محافظة حضرموت في تلك السنة أعتمد إعادة ترميم الحصن وذلك بالتزامن مع استضافة المحافظة لأعياد الوحدة اليمنية.
ترميم بمحاكاة الحقبة الزمنية
وجرت أعمال الترميم على هذا الحصن وفق عدد من الأسس العلمية في ترميم الآثار التاريخية، منها اللقيات المعثور عليها بالموقع والمقارنة والمقاربة بينه وبين الحصون المشابهة الموجودة في وادي حضرموت.
المهندس عبدالله السقاف، المشرف على عملية ترميم الحصن يقول في حديثه لـ«العربي»: «في عملية الترميم التي نفذتها الهيئة العامة للآثار والمتاحف بالوادي والصحراء استعنّا بمختصين معماريين ومتخصصين بالإثار وكذا عاملين من ذوي الخبرة والمهارة في البناء الطيني وهم من منطقة القرن التي يقع فيها الحصن وكذا من منطقة بور الشهيرة بمهارة بنائيها». وأضاف السقاف: «اعتمدنا في تصميم المبنى على المسح الذي أجريناه للحصون والقلاع التي بنيت في نفس الحقبة الزمنية التي بني فيها الحصن، كما قمنا بعمل حفريات أثرية للحصن بغرض الدراسة والتعرف على المواد المستخدمة في بناء الحصن، وقد تحصلنا على مواد كثيرة بعد الانتهاء منها المواد التي استخدمت في أعمال الأسقف من أعواد العلب السدر واليعبور والسفر المعمولة من خوص النخل».
واجهة للسياحة الداخلية
بعد اندلاع أحداث العام 2011 شهدت السياحة على مستوى الجمهورية اليمنية عامة انتكاسة كبيرة، حيث غادر الكثير من الأجانب الجمهورية فيما منعت الدول رعاياها من السفر للجمهورية اليمنية كونها أصبحت منطقة نزاع مسلّح، الأمر الذي أثّر بشكل كبير على قطاع السياحة والواجهات السياحية التي أصبحت مهملة من قبل الجميع سوى مؤسسات دولة أو منظمات دولية.
وبإغلاق «التحالف» في عام 2015 لجميع المنافذ والمطارات اليمنية مثّل مطار سيئون الدولي النافذة الوحيدة التي تربط أبناء اليمن بالعالم الخارجي، وهذا ما جعل مدينة سيئون بشكل خاص ووادي حضرموت بشكل عام وجهة لجميع اليمنيين بفعل ذلك انتعشت السياحة الداخلية بوادي حضرموت وكانت الواجهات التاريخية بوادي حضرموت مزاراً لأبناء الوطن الذين لم يقوموا بزيارة المدينة في وقت سابق.
إبن محافظة «اب» فواز الفخري، قال في حديثه لـ«العربي»: «مثل لي حصن الفلس الواقع بمنطقة القرن أبرز المزارات التاريخية التي استمتعت بزيارتها في مدينة سيئون التي اتواجد فيها كثيرا منذ اندلاع الحرب، بل أصبح بالنسبة لي متنفساً سياحياً آخذ اليه معارفي وأقاربي القادمين للمدينة ليشاهدوا تاريخ الإنسان الحضرمي وعاداته الاجتماعية والاسرية والبيئية وتحصيناته العسكرية وكذا ليستمتعوا بالمناظر الخلابة حيث يطل الحصن على مدينة سيئون بالكامل.
إهمال حكومي
ويستطرد الفخري: «أدهشني في الحقيقة نمط العيش للإنسان الحضرمي وترتيب اماكن طباخة الطعام وأماكن استقبال الضيوف، وكذا التحصينات الدفاعية للحصن والتي تحكي حقبة زمنية من تاريخ الصراع العسكري والسياسي في  حضرموت، يحزنني أن يضل صرح تاريخي مثل حصن الفلس مغلقا أمام الزائرين وكذا عدم تواجد مرشد سياحي يضع الزائر في صورة شاملة عن هذا المبنى التاريخي والعملاق، كما أقترح أن يتم فتح الحصن نهاراً وليلاً مع إدخال تحسينات ضوئية وتأسيس مقهى شعبي مصغّر للشاهي والحنظل الحضرمية التي تشتهر بها مدينة سيئون  أستغرب فوات هذا على الجهات المسئولة بحضرموت».
وفي هذا أوضح مدير مكتب السياحة بوادي حضرموت في حديثه لـ«العربي» أن «عملية الإرشاد في الأماكن الأثرية تقع على عاتق الاثار»، مؤكداً «وجود مرشدين سياحيين من أبناء مدينة سيئون ويمتلكون رخص لمزاولة الارشاد السياحي، ولأن الحصن ليس تحت إدارة المكتب ولا علاقة له به لذلك لم يستطع الضغط نحو أن يكون هناك أنشطة سياحية للحصن». وشدد على أن «الظروف العامة والإمكانيات لا تمكّن الجهات ذات العلاقة من عمل إرشاد سياحي وبعض المناشط السياحية التعريفية بالحصن وبغيره من الاماكن والمباني التاريخية».

التعليقات