مثّلت نتائج المشاورات اليمنية الأخيرة في العاصمة السويدية استوكهولم، عائقاً كبيراً أمام أطماع دولة الإمارات في الاستحواذ على موانئ الحديدة، خاصة أن مآلاتها انتقل بموجب القرارات الأممية إلى إشراف الأمم المتحدة، وفرض مراقبين دوليين على وقف العمليات العسكرية في محيط المدينة، مما أجبر الإمارات على التراجع نحو المناطق الجنوبية، الواقعة تحت سيطرتها، بهدف تأمين بقائها، من خلال قمع مختلف التيارات الجنوبية المناوئة لها.
إلا أن الإمارات لم تكن تحسب حساباً للوضع الجنوبي المشتعل ضد وجودها، ولعل البيانات الشبه يومية التي تصدر عن ساحات الاعتصام في محافظة المهرة، والتي تصفها مع شقيقتها السعودية في «التحالف»، بأنها تقوم بدور المحتل لمحافظاتهم خير دليل، ناهيك عن انفجار الأوضاع العسكرية في مناطق جنوبية مختلفة بين القوات الموالية لها وبين قبائل جنوبية، وتحديداً في محافظتي شبوة وأبين، حيث شهدت الأولى في مطلع الشهر الحالي أكبر مواجهات مسلحة بين أبناء مديرية مرخة وقوات النخبة «الشبوانية»، لحقها تصاعد المواجهات في عديد مديريات من محافظة أبين، بين ما تسمى بـ«قوات الحزام الأمني» وألوية «الدعم والإسناد» من جهة، وبين من استطاعت ماكينة إعلام «التحالف» التضليلية تسميتهم بـ«الإرهابيين»، باعتبار ذلك أيسر السبل للحيلولة دون الإقرار بحقيقة تصاعد مواقف الجنوبيين ضد الوجود الإماراتي على أرضهم.  كما تعرّض في الأيام القليلة الماضية عدد من كبار القيادات العسكرية الجنوبية الموالية لها إلى محاولات اغتيال، أبرزها تعرض موكب العميد أبو اليمامة اليافعي لكمين مسلح في ذات المحافظة، ما أدى إلى مصرع وإصابة عدد من مرافقه.
ويتزامن ذلك مع تزايد وتيرة الاحتجاجات الجنوبية الغاضبة ضد الوجود الإماراتي، أبرزها المسيرات الاحتجاجية المستمرة منذ مطلع العام الراهن 2019 تشهدها ساحة العروض بخور مكسر وأمام قصر الرئاسة في معاشيق، وبصورة شبه يومية، والتي تنظمها أمهات وأسر المعتقلين والمخفيين قسرياً في السجون السرية الإماراتية في محافظة عدن، وتصاعد إضراب المعتقلين في سجن «بئر أحمد»، للأسبوع الثاني على التوالي، ما عزز من حقيقة الانتكاسة الإماراتية في الجنوب.
قلق
يؤكد مراقبون أن تصاعد وتيرة المواجهات المسلحة وعدم توقف المسيرات الاحتجاجية والإضرابات قد أجبر الإمارات على المسارعة إلى اتخاذ قرارات صارمة ضد القيادات الجنوبية الموالية لها، يأتي في مقدمتها منع كافة القيادات الأمامية في «الانتقالي الجنوبي» من العودة إلى عدن، واستدعاء معظم المحافظين وقيادات أمنية وعسكرية في المحافظات الجنوبية إلى أبو ظبي، تحت مبرر المشاركة في دورات ثقافية وأمنية مكثفة، والذين مازالوا هناك منذ أكثر من أسبوعين، ولم يتمكنوا من العودة إلى أعمالهم، وفي مقدمتهم محافظ المهرة سعيد باكريت، ومدير الأمن وكبار الضباط، وقيادات مدنية وعسكرية من حضرموت وسقطرة وعدن، ما يؤكد على أن حالة عدم ثقة إماراتية بتلك القيادات.
وأكد الصحفي فهمي الشعيبي، في حديثه إلى «العربي» ذلك، قائلاً: «أصيبت الإمارات بحالة من الهلع والرعب بعد سقوط هدفها الأساس في الساحل الغربي، وفشل كل خططها العسكرية في السيطرة على موانئ ومدينة الحديد». وأضاف الشعيبي: «لهذا عادت إلى ملف الجنوب، لتجده في حال متغير، فالحرب التي تشهدها بعض مديريات محافظتي أبين وشبوة، وسقوط عدد كبير من أفراد القوات الموالية لها، عبّر بوضوح عن رفض الجنوبيين للوجود الإماراتي والتحالف برمته».
وفي تعليقه عن استدعاء الإمارات لبعض القيادات في المحافظات الجنوبية في هذه الظروف، استبعد الشعيبي أن يكون السبب في ذلك تلقيهم دورات ثقافية وأمنية، وعلل ذلك بالقول: «من المؤكد أنها طلبت حضورهم في هذا التوقيت لتعبر لهم عن مدى ودها بهم، خاصة أن تلك الدعوات تلازمت مع احتفالات الإمارات بأعياد الميلاد، ودخول السنة الميلادية الجديدة، فدعتهم لحضور تلك المهرجانات، إلا أنها لم تكن تتوقع أن بعد تلك الاحتفالات الاستعراضية ستتغير الأحوال في الجنوب، ومنها المواجهات المسلحة وتصاعد المسيرات والإضرابات، الأمر الذي أثار قلقها، فسعت إلى إبقائهم في أبو ظبي، بهدف الفرز، والتحقق من حالات اللبس وعدم الثقة بالبعض».
الطائرة المسيرة
تؤكد تقارير صحفية أن استهداف منصة ساحة الاحتفال في قاعدة العند العسكرية التي تبعد 60 كيلو شمال مدينة عدن، بطائرة مسيرة من قبل حركة «أنصار الله» في صبيحة الخميس 10 من الشهر الحالي، وسقوط أكثر من 20 قتيل وجريح، من ضمنهم قيادات عسكرية كبيرة في القوات الموالية للرئيس هادي، وفي مقدمتهم اللواء أحمد صالح طماح رئيس الاستخبارات العسكرية ونائب رئيس الأركان ومحافظ لحج وغيرهم من القيادات، قد أدى إلى إثارة الريبة من الإمارات وهدفها في تصفية القيادات الجنوبية، خاصة أن مختلف أجهزة الرادار والرقابة الجوية في القاعدة تقع تحت سيطرتها، وأن تقصيرها في أداء المهام في الرصد كان سبباً في تحقيق الطائرة المسيرة لهدفها، وسقوط الضحايا من القيادات العسكرية الجنوبية.
إلى ذلك تحدث إلى العربي العقيد منصر الدقم، قائلاً: «أصابع الاتهام توجهت نحو الإمارات، لأسباب كثيرة، وفي مقدمتها سيطرتها على أجهزة الرادار والإنذار في العند، وعدم إشعار الدفاعات الجوية بدخول الطائرة المسيرة أجواء القاعدة، حتى حقت هدفها بنجاح، في الوقت الذي لم يحضر أياً من القيادات العسكرية أو المدنية الموالية لها، سواء من القيادات المدنية أو من قوات الحزام أو الدعم والإسناد، وهي المرة الأولى التي لم يشارك احد منهم، بالإضافة إلى عرقلتها سفر المصابين، وفي مقدمتهم اللواء احمد طماح، ما أدى الى وفاته فور وصوله إلى الرياض».
وعلل الدقم انتشار هذه الأخبار في الشارع الجنوبي، بالقول: «لقد أدرك الجنوبيون أن هدف الإمارات هو تصفية الجنوب من القادة العسكريين والمدنيين، إما في جعلهم وقودا لحربها العبثية في اليمن، أو جعلهم عرضة للاستهداف من منظمات إرهابية أو تصفيتهم بطرق ومبررات مختلفة». وعلى إثر تلك الأساليب توقع الدقم، أن «تشهد الأيام والأسابيع القادمة تطورات مهمة في مواجهة الوجود الإماراتي في الجنوب، ولم يستبعد أن تؤدي وتيرة المواجهات القادمة، خلال العام الجديد 2019 إلى إنهاك القوات الموالية لها، وبالتالي إلى إجبارها على التراجع عن مخططاتها في الجنوب».

التعليقات