بينما تستمر الحرب في التطاول والتمدد ويحضر اللاعبون الدوليون والإقليميون، يغيب الفاعلون المحليون المفترضون، وهم جماعة الأحزاب السياسية اليمنية، وقياداتها «التاريخية» التي هيمنت على تلك الاحزاب منذ عقود واختزلتها في شخوصها وامتلكت قراراتها، وفقا لما تمليه مصالحها الذاتية.
فمنذ بداية الحرب ارتضت تلك الأحزاب بدور التابع المخلص الهامشي، وتلك الأدوار ليست ناتجة عن عمل استقصائي لقواعد الأحزاب بل عن آراء شخصية لمن تملّكوا قرارها في القيادة، فلم تعد تلك القيادات تحمل هماً وطنياً كما كانت تدعي أجندتها، بل غاب عنها التفكير كلياً باعتبارها أحزاباً سياسية لها آراء مستقلة كما هو المفترض، وأن تأيدها «للشرعية» ليس عقد «نكاح كاثوليكي»، أو تمليك يفرض عليها الإتباع والإذعان، والتخلي عن صفتها كأحزاب سياسية لها القدرة على الرأي والمشورة وطرح أفكار ومعالجات، لكن شخصنة تلك الأحزاب واختزالها في عدد من الشخصيات في القيادة جعل منها أسيرة لتحقيق المصالح الفردية من التقاسم السياسي للسلطة التي تتهافت عليها تلك القيادات المنفصلة عن قواعدها الحقيقية الفاعلة، وذلك التهافت جعل منها عديمة القدرة على لعب أي دور سياسي حقيقي، أو أن تكون رقماً صعباً في الوضع السياسي الراهن، خاصة مع «التحالف» الذي تغول على «الشرعية»، والأكثر أهمية مع الجهات الدولية كالأمم المتحدة لتكون على الاقل طرفاً يمثل الجانب المدني الإنساني واحتياجاته، يضع حلولاً ومقترحات إنسانية تضمن على حقوق المدنيين، بدلا من التبعية المطلقة لدول «التحالف»، والصمت عن كل الجرائم التي تستهدف المدنيين إلى جانب جرائم جماعة الإنقلاب.
إن أحزابا كـ«الإشتراكي والناصري والإصلاح» تفتقد حقاً إلى قيادات حية تحس بأوجاع الناس وتنحاز لها بعيداً عن مناكفات الأيديولوجيات السياسية لها والمصالح المرجوة خلف تلك المناكفات كما تعودت دوما في ظل النظام السابق، وذلك يعود في الأصل إلى طبيعة منشأ هذه الأحزاب غير الديمقراطية والتي لن اناقشها هنا، وتكفي الإشارة إلى شيخوخة تلك القيادات الهرمة التي يشار إليها باعتبارها قيادات تاريخية نظرا لتربعها على القيادة منذ عقود، هي في حقيقتها قيادات ديكتاتورية مصغرة للنظام الديكتاتوري، هيمنت على أحزابها باعتبارها اقطاعيات مصغرة وجعلتها عديمة الفاعلية، وهي قيادات لم تنتجها عملية ديمقراطية داخلية حقيقية أصلا، فالقيادات التاريخية هي التي تصنع تحولاً في فترة وجيزة ثم تترك مكانها لاعتبارات الديمقراطية‏ الداخلية للحزب واحترامها وإيمانها بضرورة التغيير، وليس نتيجة لهيمنتها لعقود على قرار الحزب، وتكريسها وتوثينها وأسطرتها في إعلام الحزب واجتماعاته، أو التي تصعد نتيجة تداول المناصب بين جماعة القيادة التي تتبادل المصالح فيما بينها أيضا وتورث كل ذلك.
إن الحديث العام للناس في الشارع لا يتذكر شيئا عن الأحزاب، ولا يمثل له موقفها الحالي شيئا حتى لقياس قراءته للوضع -باستثناء المؤدلجين حزبياً طبعاً- بل إن تغريدات بعض القيادات أصبحت مثاراً للسخرية، إما لطبيعة المواضيع التي يتحدثون عنها، أو لسطحية التي يكتبون بها آراء أحزابهم أو بالأصح أراءهم، ويتناولون بها المواضيع المهمة التي يفترض تكون مواقفهم فيها موضوعية وجادة، وقائمة على دراسة وبحث عميقين، وليست رسائل سياسية محملة بمعاركهم الحزبية الضيقة، وهي المليئة بالزهايمر.

التعليقات