لم تعد الرغبة الشعبية بـ«التحالف» العسكري الذي تقوده السعودية كما كانت من قبل، وقد تغير المزاج العام إلى المطالبة برفض وجوده بسبب الانتهاكات المستمرة ضد الشعب اليمني، وخروجه عن الأهداف المعلنة، وأبرزها «استعادة شرعية الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي»، المقيم في الرياض!
«التحالف» منذ تدخله في الأزمة اليمنية، قبل 4 أعوام، تخطى الأهداف المعلنة وراح يمارس نقيضها، فقوَّض وجود الدولة ومنع رئيسها من العودة إلى البلاد، علاوة على تأسيسه المليشيات المسلحة ومساهمته بالإنفلات الأمني، فضلاً عن سيطرته على المنشآت السيادية وفرضه الحصار الخانق على البلاد، مغلقاً المطارات والموانئ. وفيما تعددت الأسباب والمقدمات، إلا أن الفاعل بقي واحداً.
انتهاكات للقانون
في تعدٍ واضحٍ على القانون والدستور اليمني، أنشأ «التحالف» سجوناً سرية خارجة عن سلطة الدولة في المحافظات الجنوبية تشرف عليها القوات الإماراتية، إضافة إلى الاعتقالات التعسفية الخارجة عن القانون بحق المعارضين والصحافيين وعرقلة قرارات القضاء. انتهاكات كان لها الحضور الأبرز في تغيير المزاج الشعبي ضد «التحالف» على خلفية الاعتقالات والتعذيب للمعارضين داخل السجون، وقد قوبلت هذه الارتكابات بتنديد واسع من قبل المنظمات الدولية والمحلية المعنية بحقوق الإنسان.
ما حدث مؤخراً مع الاستاذ التربوي زكريا أحمد قاسم في مدينة عدن، الذي وردت أنباء عن وفاته تحت التعذيب، أشعل موجة غضب عارمة في المدينة التي تشهد فوضى أمنية لا مثيل لها منذ أربعة أعوام. المعتقل السابق في سجون الإمارات الشيخ عادل الحسني أكد تلك الأنباء، وهو ما جعل الأهالي يخرجون في وقفة احتجاجية طالبوا خلالها بالكشف عن مصير الاستاذ زكريا.
حضرموت لا تبتعد عن ما تشهده مدينة عدن، إذ تشهد وقفات احتجاجية أسبوعية من قبل أهالي المعتقلين على خلفية منع الزيارات للسجون وعرقلة قرارات النيابة الجزائية بمدينة المكلا، والقاضي بإطلاق سراح عدد من المعتقلين الذين لم تثبت أي تهمة من التهم الموجهة إليهم من قبل المندوب الإماراتي، والذي يتخذ من مطار الريان الدولي مقراً له.
الأطماع في المهرة
الاحتجاجات الشعبية المستمرة للعام الثاني على التوالي التي تشهدها محافظة المهرة شرق اليمن، أحبطت مخطط السعودية في ابتلاع المحافظة لتمرير خط أنبوب نفطي يطل على بحر العرب، وهو الحلم القديم للرياض.
السعودية عملت جاهدة على استغلال وضع البلد المنهار الذي يمر بحالة حرب منذ أربعة أعوام، حيث مارست الترغيب والترهيب ومحاولة شراء الولاءات وتأسيس مليشيات مسلحة، تهدف إلى جر المحافظة المسالمة على مر التاريخ إلى مربع الفوضى والعنف، من أجل أن تنفرد في خططها المرسومة وتنفذ أطماعها.
لكن كل تلك المحاولات التي تشرف عليها السعودية التي تقود «التحالف» فشلت في تمرير مخططها، وتحطمت آمالها وذابت أطماعها أمام صمود أبناء المهرة، المتمسكين بالهوية والثقافة التاريخية في أوضح صورة لتجسيد الوعي الرافض للوصاية والهيمنة الخارجية على تراب الوطن.
طفح الكيل
وفي ذات السياق، قال الكاتب السياسي عبد الرقيب الهدياني إن الرفض الشعبي في اليمن يعود إلى الممارسات الحاصلة على الأرض من قبل «التحالف»، من خلال الانتهاكات ضد المواطنين ومضايقتهم في قوت رزقهم، وإنشاء سجون سرية والتعذيب داخل السجون والاعتقالات التعسفية، وتنفيذه لمشاريع توسعية وبعض الممارسات يمكن وصفها بالاحتلالية من خلال التوسع في المهرة وسقطرى.
وأشار الهدياني خلال حديث لـ«العربي»، إلى أن «الاحتجاجات الشعبية في عدن ومحافظات الجنوب الأخرى ستشهد تصعيداً ما لم تغير السعودية والإمارات من سياستها اتجاه البلاد».
وانتقد «عجز الرئيس اليمني وحكومته أمام تلك الممارسات من قبل التحالف»، موضحاً أن ذلك العجز والتجاهل لتلك الممارسات «سيقلص من مشروعيتهم مع الأحداث، وقد تنتهي والشارع لن يقبل بأن يذبحه التحالف من الوريد إلى الوريد وهو في حالة صمت».
انحراف الأهداف
من جهتها، اعتبرت الكاتبة لينا صالح خلال حديثها إلى «العربي»، أن «التحالف انحرف عن الأهداف المعلنة، وهي الانتصار للشرعية اليمنية وهزيمة حركة أنصار الله (الحوثيين)، وإعادة القيادة الشرعية الوطنية ودعمها لاستلام مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، الواقعة تحت سيطرة الحركة».
وأشارت إلى أن «هناك بوادر ثورة شعبية قادمة بقوة ترفض بشدة كل العبث والخراب والانتهاكات التي يرتكبها التحالف بحق الشعب اليمني»، مضيفة «لقد بات التحالف بنظر اليمنيين لا يقل فداحة وخطر عن خطر إيران ومشروعها التوسعي بالمنطقة».
ولفتت لينا إلى أن «التحالف عمل على تقويض الدولة وتدمير ما تبقى من وجودها، ومنع الانطلاق في البناء وإعادة الإعمار، وذهب إلى تأسيس سجون سرية بما فيها من انتهاكات مروعة مخيفة، بدلاً من بناء المصانع والمدن وإنشاء البنى التحتية»، مشيرة إلى أن «هذه امور وكوارث صنعها التحالف، لا بد أنها بالأخير ستؤدي حتماً وبشكل طبيعي إلى انفجار الغضب الشعبي العارم ضده، على أن تواجده في اليمن ما هو إلا مسألة وقت لا أكثر».
تصعيد في الجنوب
في الجنوب، تتوسع المعارضة التي يقودها «مجلس الحراك الثوري» الذي يترأسه القيادي الجنوبي البارز حسن أحمد باعوم يوماً بعد آخر ضد «التحالف»، وذلك في عدة محافظات جنوبية.
عضو المجلس السياسي لـ«الحراك الثوري الجنوبي» سالم الربيزي، رأى أن «الرفض الشعبي للتحالف في المحافظات الجنوبية يعود إلى الفشل الخدماتي والأمني، مع تزايد الاغتيالات للكوادر الوطنية وأئمة المساجد، في ظل تواجد الأجهزة الأمنية المحسوبة على التحالف وفشلها في التصدي لتلك العمليات التي تقيد ضد مجهول، إضافة إلى الاعتقالات في السجون الإماراتية وما يعانيه المعتقلون من أبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، نتيجة رفضهم لسياسة التحالف».
ودعا خلال حديث إلى «العربي» كافة القوى السياسية في الجنوب إلى «التقارب وفتح صفحة جديدة من أجل إيجاد الحلول المناسبة، وتشكيل لجنة وفاق من كافة المكونات الجنوبية لتكون ممثلة للشارع الجنوبي، محلياً وإقليمياً ودولياً، فهذه هي الفرصة الأخيرة لنا»، مضيفاً «نتمنى عدم ضياع الفرصة بسبب بعض الخلافات التي لن تفيد الجنوب والقضية الجنوبية... لن نكون قوة إلا بتكاتف الجميع وفتح حوار جنوبي-جنوبي، وبدء صفحة جديدة».

التعليقات