حين كانت العمليات الإرهابية تضرب مناطق اليمن في عهد الرئس السابق علي عبدالله صالح، كانت غالباً ما توجه أصابع الاتهام إلى نظامه الذي يسعى إلى الاستفادة من هذه العمليات في كسب المساعدات الخارجية بدعوى مكافحة الإرهاب، وتقوية بقائه في الحكم من جهة، ومن جهة أخرى من أجل ضرب المخالفين له واستمرار القبضة الأمنية والتحكم بأداء المؤسسات وتوظيفها في صالحه. وعلى الرغم من المنطق النسبي لهذه الدعوى فإن هناك بالفعل وجود للتنظيمات الإرهابية مدفوعة بأسباب منطقية تمثلت بتواطؤ إقليمي ودولي على مدى العقود الماضية لتصل إلى هذه النتيجة، كما أن علي صالح، لم يكن الوحيد المستفيد من توظيف الإرهاب فهناك من المتحالفين معه ممن أوجدوه واستفادوا من مخرجاته.
إن التوصيف الحقيقي للإرهاب في اليمن يتطلب الاعتراف بوجود البيئة الملائمة لوجوده، والتي تمثلت في تربية الجيل الجهادي على أيدي المتطرفين الذين تم تجنيدهم لمحاربة الروس في أفغانستان ثم عادوا للعمل المحلي في بلدانهم، لكنهم وجدوا في اليمن حلفاء سياسيين ساعدهم على ذلك حاجة السلطة بعد وحدة عام تسعين من أجل التخلص من قادة وزعماء الجنوب ومنهم شركاء السلطة من الحزب «الاشتراكي».
للإرهاب في اليمن عدة أوجه متداخلة تمنحه فيها صورة استثنائية، ومختلفة، فإذا كان في كثير من الدول يرتبط ببعد ديني في الغالب فإنه في اليمن يمتلك امتدادات سياسية ودينية وقبلية، فمن زعماء التطرف من كانوا جزءا من الدولة ومنهم زعماء قبائل وعشائر، ومنهم رجال جيش ومخابرات وأمن، ومنهم رجال دين، ونتيجة لهذا الوضع المعقد أصبح الإرهاب أحد اللاعبين الرئيسيين في المجتمع، كما تم توظيفه في الصراعات السياسية والتخلص من الخصوم.
لا يمكن أن نستثني جهة من توظيف الإرهاب، وربما تحضر إلى الذهن أهم المشاهد الدالة على توظيف الإرهاب من أجل الحصول على مكاسب سياسية، منها على سبيل المثال الانسحاب من محافظة أبين في العام 2012 وتسليم المعسكرات لـ«أنصار الشريعة»، إذ يبدو هذا الحدث في صورة محاولة الرئيس السابق تخويف العالم من نتائج خروجه من السلطة وأن المتطرفين هم الذين سيستلمون الحكم بعد رحيله، وبصورة مشابهة تماما يعتقد أن انسحاب القوات المحسوبة على علي محسن الأحمر من ساحل حضرموت في عام 2015 مثال آخر على هذه اللعبة، حيث لم تنسحب القوات فقط ولكنها سلمت للمتطرفين كل المعسكرات دون قتال، فيما قال أحدهم أن هذا الانسحاب كان مجرد تسليم عهدة بشكل مؤقت لكي يتمكنوا من العودة لسلطتهم في وقت لاحق.
وربما يعد تفجير المساجد في صنعاء قبل اقتحام «أنصار الله» لمعظم مناطق اليمن أهم مشهد يظهر هو توظيف الإرهاب، إذ كانت تلك التفجيرات هي المسوغ المنطقي لهم لاستكمال السيطرة على بقية المناطق، إذ غذت تلك التفجيرات «البروبوغاندا» الإعلامية التي تمكنهم من التمدد بحرية بحجة ملاحقة الإرهاب. وإذا كان من المنطقي جدا الربط بين المصالح السياسية وهذه الأعمال الإرهابية فإنه من الصعب تحميل جهة سياسية ما مسؤولية هذه الأعمال المأساوية.
وغير هذا كله هناك إرهاب حقيقي تم تغذيته بقيم العنف والتطرف على مدى سنوات ويمكن لهذا الكائن المتوحش أن يستفيد من خدماته المميتة في أي لحظة، وإذا لم يكن لهذا الإرهاب خطة حقيقية لخدمة أطراف سياسية فإنه يقدم وبكل سهولة خدمات جليلة لكل طرف يريد أن يستفيد من عروضه.

التعليقات